رصد إشارة غير متوقعة تقربنا من نقطة التحول النووية
في تجربة فريدة، فريق STAR في نيويورك يكتشف إشارة غير متوقعة في تصادمات نوى الذهب قد تقود لفهم نقطة التحول الحرجة في المادة النووية، مما يفتح نافذة لفهم كيف تشكل الكون في لحظاته الأولى عبر وورلد برس عربي.

في مختبر بروكهيفن الوطني بولاية نيويورك، رصد فريق تجربة STAR العامل على المصادم النسبي للأيونات الثقيلة (RHIC) إشارة غير متوقّعة في بيانات تصادمات نوى الذهب، قد تكون أول خيطٍ تجريبي يقود إلى ما يُعرف بـ«نقطة التحوّل الحرجة» في المادة النووية. الإشارة لافتة من الناحية الإحصائية، لكنّ الباحثين أنفسهم يحرصون على التوضيح: ما وُجد مثيرٌ للاهتمام، لكنه ليس دليلاً قاطعاً. وما يجعل هذه النتيجة تتجاوز حدود فيزياء الجسيمات إلى اهتمام أوسع، هو أنّ المادة المتكوّنة في هذه التصادمات تُشبه ما كان يعبئ الكون في اللحظات الأولى بعد الانفجار العظيم، وفهم سلوكها قد يفسّر كيف تحوّل الكون من حساء ساخن من الكواركات والغلوونات إلى البروتونات والنيوترونات التي تُبنى منها المادة اليوم.
ما الذي رصدته STAR بالضبط؟
حلّل الفريق نحو مليار تصادم بين نوى ذهب، عند طاقات تتراوح بين 3 و7.7 غيغا إلكترون فولت (GeV) لكل زوج من البروتونات أو النيوترونات المتصادمة وهي طاقات تقع في الطرف الأدنى من مدى RHIC الذي يصل إلى 200 GeV. ولأجل هذه التصادمات منخفضة الطاقة تحديداً، استخدم الفريق تجهيزاً خاصاً بـ«الهدف الثابت»، حيث تُصدم حزمةُ نوى ذهب متحرّكة بما وصفه الباحث المشارك في الدراسة روتيك مانيكاندهان، الباحث ما بعد الدكتوراه في جامعة Ohio State، بأنه «رقاقة ذهب رقيقة توضع داخل الكاشف».
في كل تصادم، قاس الباحثون الزخم الجانبي (transverse momentum) للجسيمات المشحونة، وبحثوا في ما إذا كانت أزواج الجسيمات الناتجة عن تصادمٍ واحد تُقذَف معاً بقوة أكبر أو أقل من المتوسط. يقول مانيكاندهان: «تلك الارتباطات تعكس مقدار تذبذب الحرارة والتدفّق داخل الكرة الملتهبة». والمنطق العلمي وراء المتابعة واضح: «إذا اقتربت المادة من نقطة حرجة أو من تحوّل في الطَّور، نتوقّع أن نرى تلك الارتباطات تتغيّر بطريقة غير منتظمة وغير سلسة عند تغيير طاقة التصادم».
وهذا تماماً ما حدث. كان الفريق يتوقّع أن تتغيّر الارتباطات بسلاسة مع تغيّر طاقة التصادم، لكنها بدلاً من ذلك انخفضت ثم عادت للارتفاع. يصف مانيكاندهان الأمر بقوله: «بدلاً من أن تتغيّر الارتباطات بسلاسة مع الطاقة، أظهرت انخفاضاً». ويضيف: «الاتجاه السلس هو ما يُتوقَّع من المادة النووية العادية، فالانخفاض يشير إلى أنّ شيئاً أكثر إثارة للاهتمام يحدث عند تلك الظروف». ولوحظ هذا الانخفاض في التصادمات المواجهة بشكل مباشر (head-on)، أمّا التصادمات غير المركزية فلم تُظهر سوى إشارة خافتة وغير كافية للحسم.
كيف تأكّد الباحثون أنها ليست صدفة؟
اختلفت الإشارة عن الاتجاه السلس المتوقّع بدلالة إحصائية بلغت 5 سيغما وهو عتبة الإثبات المعتمدة عادة في فيزياء الجسيمات. بعبارة أخرى، لو كان الاتجاه الحقيقي سلساً بالفعل، فإن التشتّت العشوائي لن يُنتج انخفاضاً بهذا الوضوح سوى مرّة واحدة من بين 3.5 مليون محاولة تقريباً. علاوة على ذلك، عندما اختبر الفريق محاكاة تصادمات واسعة الاستخدام لا تتضمّن أي نقطة حرجة، أعادت المحاكاة الاتجاه العام للبيانات، لكنها لم تُعِد إنتاج الانخفاض نفسه وهو ما يعزّز فرضية أنّ الظاهرة ليست مجرّد قصور في النماذج التقليدية.
ومع ذلك، يبقى الباحثون حذرين بوضوح. يقول مانيكاندهان: «النتيجة مُلمِحة، لا دليلاً، على وجود نقطة حرجة»، ويضيف أنّ هناك مؤثّرات أخرى لا تتعلّق بنقطة حرجة قد تُشكّل هذه التذبذبات، وأن حجم مساهمتها غير واضح حتى الآن. وبنبرة أكثر صراحة يلخّص الوضع العلمي الراهن: «لكن كل هذا يبقى افتراضاً، ولا يوجد شيء ملموس بعد، سواء من التجريبيين أو من المنظّرين».
لماذا تهمّ «نقطة حرجة» في المادة النووية؟
لتبسيط المفهوم، يستعين مانيكاندهان بمثال الماء: فمعادلة الحالة (equation of state) التي تربط الضغط والحرارة والكثافة «تخبرك، في حالة الماء، كيف يرتبط الضغط والحرارة والكثافة، وبالتالي متى يتجمّد أو يغلي أو يتمدّد». أما في المادة النووية، فإن معادلة الحالة هذه «هي كتاب القواعد الأساسي للمادة في أقسى الظروف الموجودة في الطبيعة، مثل نوى النجوم النيوترونية».
والنقطة الحرجة، بحسب هذا القياس، هي «النقطة التي تختفي عندها الحدود بين السائل والبخار» في حالة الماء. وفي المادة النووية، يفترض المنظّرون منذ فترة طويلة وجود نقطة مماثلة: عند درجات حرارة مرتفعة جداً، يُتوقَّع أن تنصهر المادة النووية تدريجياً إلى بلازما الكوارك-غلوون (quark-gluon plasma) وهي حساء ساخن من كواركات وغلوونات حرّة ينتج عندما تُسخَّن البروتونات والنيوترونات أو تُضغَط بما يكفي في حين أنّ هذا التحوّل عند كثافات أعلى قد يكون مفاجئاً وحادّاً. وتجدر الإشارة إلى أنّ الطاقات المنخفضة التي اعتمدتها هذه الدراسة تضغط المادة المتصادمة بشكل أكبر، مما يجعل التصادمات الأقل طاقة في RHIC هي الأكثر كثافة التي يمكن الوصول إليها، وهو بالضبط المجال الذي وضعت فيه حسابات نظرية حديثة النقطة الحرجة المفترضة في متناول قدرات المصادم.
ولفهم سياق هذه المادة الكونية، يُشار إلى أنّ الكون، في المصادر المرجعية، وُصف بأنه كان مليئاً بحساء الكوارك-غلوون في أول مللي ثانية بعد الانفجار العظيم، وفي موضع آخر وُصف بأنه في أول ميكروثانيات قليلة بعده. ويربط مانيكاندهان هذا السياق مباشرة بأهمية الدراسة: «لأنّ المادة التي نُنشئها في هذه التصادمات تُشبه المادة التي عبأت الكون قبل بضع ميكروثوانٍ من الانفجار العظيم، فإنّ رسم خريطة لسلوكها يساعدنا على فهم كيف تطوّر الكون من حساء ساخن من الكواركات والغلوونات إلى البروتونات والنيوترونات التي تُشكّل كل شيء اليوم».
ما الخطوة التالية؟
نُشرت النتائج في 22 سبتمبر في مجلة Physical Review Letters، تحت عنوان «"عدم الرتابة في ارتباطات الزخم المستعرض في تصادمات الذهب مع الذهب (Au+Au) في مصادم الأيونات الثقيلة النسبي (RHIC)"» (المجلد 137، العدد 13، رقم المقالة 132301)، ويضم طاقم التأليف باحثين من جهات متعددة من بينهم B. E. Aboona وJ. Adam وL. Adamczyk وI. Aggarwal وM. M. Aggarwal وZ. Ahammed وA. K. Alshammri وE. C. Aschenauer وS. Aslam وJ. Atchison، إلى جانب آخرين.
يخطّط الفريق لاستخدام هذه الارتباطات لاستخلاص السعة الحرارية النوعية للمادة الساخنة، وهي خطوة وصفها مانيكاندهان بأنها تهدف إلى «استخراج الحرارة النوعية للمادة الساخنة». كما يعتزم الباحثون مقارنة نتائجهم بمحاكاة حاسوبية فائقة تحسب سلوك الكواركات والغلوونات من المبادئ الأولى، واختبار الانخفاض المرصود أمام مزيد من النماذج النظرية، ودمجه مع قياسات أخرى من بينها تذبذبات عدد البروتونات الناتجة عن التصادمات. فكما يختم مانيكاندهان: «الانخفاض الذي رصدناه يشير فعلاً إلى مجموعة من الظروف تتغيّر فيها طبيعة سلوك المادة النووية، ويمنح المنظّرين قياساً جديداً ودقيقاً لاختبار حساباتهم»، لكنه يُقرّ في الوقت نفسه بأن الحسم النهائي يتطلّب أكثر من قياسٍ واحد: «فقط عندما تتوافق قياسات مختلفة يمكننا أن نقول بثقة إن كانت نقطة حرجة موجودة بالفعل أم لا».
أخبار ذات صلة

إطلاق SpaceX شحنة إلى محطة الفضاء الدولية الأحد

الثقوب السوداء الضخمة تبتلع المادة وتطلق نفاثات راديوية بعد 300 يوم

رواد الفضاء على القمر قد يصبحون "مكثفات كهربائية حية" تهدد المركبات
