تكلفة تصنيع الهواتف الأمريكية والحلم المستحيل
هل يمكن تصنيع هاتف ذكي بالكامل في أمريكا؟ التكلفة قد تصل إلى 3500 دولار مع حاجة لمئات المليارات من الدولارات وعشرات الآلاف من العمال. تعرف على التحديات الاقتصادية والعملية وراء حلم تصنيع التكنولوجيا محلياً فقط على وورلد برس عربي.

هل فكّرتَ يوماً كم سيكلّف هاتفٌ ذكي "صُنع بالكامل في أمريكا"؟ الإجابة، وفق تقديرات جمعية التكنولوجيا الاستهلاكية (Consumer Technology Association - CTA)، قد تكون صادمة لأي مستهلك عادي: بين 1,500 و3,500 دولار للهاتف الواحد، بحسب تقديرات محلّلي وول ستريت. هذا الرقم وحده يلخّص المفارقة التي تواجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في سعيه إلى إعادة تصنيع التكنولوجيا الأمريكية بالكامل داخل حدود البلاد.
ترامب يريد أن تُصنَّع التقنيات الأكثر طلباً في السوق الأمريكية بنسبة 100 بالمئة محلياً، من دون الاعتماد على دولٍ مجاورة أو حتى على حلفاء تقليديين في أي مكوّن من مكوّنات سلاسل الإمداد. هذا الطموح أطلقه عملياً عبر أمرٍ تنفيذي في ديسمبر الماضي أسماه "مهمة جينيسيس" (Genesis Mission)، الهادفة إلى استثمار تفوّق الولايات المتحدة في الذكاء الاصطناعي لتطوير الروبوتات والتقنية الحيوية وأشباه الموصّلات والتقنيات النووية. لكن بين الطموح السياسي والواقع الصناعي، هناك فجوة بمئات المليارات من الدولارات وملايين ساعات العمل، بحسب بحثٍ جديد شاركته الجمعية مع أعضائها هذا الأسبوع.
كم يكلّف "صنع في أمريكا" فعلياً؟
نمذجت الجمعية سيناريو إعادة تصنيع عشر فئات من المنتجات المنزلية الشائعة بالكامل داخل الولايات المتحدة بحلول عام 2031: شاشات الحاسوب، أجهزة الحاسوب المحمول، المكانس الروبوتية، السمّاعات الذكية، الهواتف الذكية، الساعات الذكية، أجهزة التلفاز، أجهزة ألعاب الفيديو، والسمّاعات اللاسلكية بنوعَيها.
النتيجة: مشروعٌ كهذا يتطلّب بين 185 و230 مليار دولار كنفقاتٍ رأسمالية، وبين 555,000 و668,000 عامل إضافي بدوامٍ كامل، إضافةً إلى ما بين 19.1 و19.5 مليار كيلوواط/ساعة من الكهرباء سنوياً. الجمعية وصفت هذا الرقم العمالي بأنه يتجاوز ضعف القوى العاملة الحالية بأكملها في قطاع تصنيع الحواسيب والإلكترونيات الأمريكي، أي أنه "في فئةٍ خاصة به" كما عبّرت عنه. والأخطر أن هذه الحاجة إلى الكهرباء ستتزامن مع احتياجات مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي من الطاقة خلال الفترة نفسها، ما يضع قطاعَين استراتيجيّين في تنافسٍ مباشر على مصدرٍ محدود.
قالت الجمعية في بيانها: "لم يعد كافياً القول إن إعادة التصنيع إلى الداخل أمرٌ صعب. الأسئلة العملية هي: كم سيكلّف ذلك، منتجاً تلو الآخر؟ وما الذي يتطلّبه ذلك مادياً؟ ومن سيتحمّل الكلفة؟"
الهاتف الذكي: الأغلى تصنيعاً والأقل قابلية للاستغناء عنه
من بين المنتجات العشرة، حدّدت الجمعية الهاتف الذكي باعتباره أغلى منتجٍ يمكن تصنيعه بالكامل داخل الولايات المتحدة، وفي الوقت ذاته المنتج الذي يعتبره الأمريكيون الأقل قابليةً للاستغناء عنه. ووفق الرسوم الجمركية الحالية، فإن التصنيع الأمريكي الكامل للهاتف الذكي سيرفع التكاليف بنسبة 152 بالمئة. أما أجهزة الحاسوب المحمول فسترتفع تكلفتها بنسبة 93 بالمئة، والساعات الذكية بنسبة 97 بالمئة، وأجهزة التلفاز بنسبة 41 بالمئة.
الجمعية حذّرت من أن الشركات قد تمرّر ما بين 25 و50 بالمئة من هذه الزيادات إلى المستهلك مباشرة، لتصل الزيادة المتوسطة المرجّحة في الأسعار عبر المنتجات العشرة إلى ما بين 27 و55 بالمئة. وكما صاغتها الجمعية بوضوح: "أسرةٌ تستبدل هاتفاً وحاسوباً محمولاً وجهاز تلفاز خلال دورة الاستبدال المعتادة ستواجه هذه الزيادة في كل عملية شراء على حدة."
هنا بالضبط يظهر البعد الذي يهمّ كل أسرة عربية تتابع هذا الملف من بعيد: فالجمعية نفسها أشارت إلى أن تكاليف الإيجار والبقالة والوقود تُرهق ميزانيات الأسر الأمريكية أصلاً، وأن بعض الأسر باتت تؤجّل شراء أجهزةٍ تقنية أملاً في انخفاض الأسعار محلياً. وإذا تراجعت المبيعات نتيجة ذلك، فإن هوامش ربح شركات التكنولوجيا قد تتآكل أكثر وهي تمتص الكلفة الإضافية، ما قد يُثني المستثمرين عن مشاريع إعادة التصنيع كلّها بسبب تراجع العوائد المتوقّعة.
قصة آبل: نموذجٌ مصغّر لمأزق إعادة التصنيع
لا توضّح قصةٌ هذا التناقض أفضل من مسار شركة آبل. ففي الربيع الماضي أعلنت الشركة خططاً لتصنيع هواتفها في الهند، فردّ ترامب بالتهديد بفرض رسوم جمركية بنسبة 25 بالمئة على شركةٍ أمريكية بسبب خطط آبل الهندية. الضغط السياسي استمر رغم تقارير متكررة عن أن أي تصنيعٍ أمريكي كامل للآيفون سيرفع سعره إلى مستوياتٍ بين 1,500 و3,500 دولار بحسب محلّلي وول ستريت.
ماثيو مور، المهندس السابق في خطوط تصنيع آبل، كان أكثر وضوحاً حين قال إن توظيف ما يكفي من العمّال الأمريكيين لتلبية الطلب العالمي على الآيفون أمرٌ مستحيلٌ عملياً، في تصريحٍ نقلته Bloomberg.
ومع ذلك، قدّمت آبل لترامب تمثالاً بقاعدةٍ من الذهب عيار 24 قيراطاً نُقشت عليه عبارة "Made in America"، في خطوةٍ رمزية أكثر منها صناعية. في موازاة ذلك، أعلنت الشركة سعراً مبدئياً يبلغ 2,000 دولار لجهازها القابل للطي "آيفون Duo"، وأطلقت فئة تخزين بسعة 2 تيرابايت لهاتف "آيفون 17 برو ماكس" بسعرٍ يقارب 2,000 دولار أيضاً. آبل نفت أن تكون هذه الزيادات مرتبطة برسوم ترامب الجمركية، لكن تقرير Yahoo Finance أشار إلى تكهّناتٍ بأن الشركة "تختبر مدى استعداد العملاء لدفع المزيد مقابل أفضل آيفون يمكن للمال شراءه". أما مجلة PC Mag فذهبت إلى تفسيرٍ مختلف، إذ قالت: "في خضمّ أزمة ذاكرةٍ تضرب الصناعة بأكملها، يكاد كل جهازٍ تقني جديد يحمل علاوة سعرية مؤلمة"، مضيفةً أن آبل "كان بإمكانها أن تضع سعراً فلكياً على جهازٍ قابلٍ للطي بالكامل وتبيع الوحدات منذ اليوم الأول" بصرف النظر عن أي كلفة تصنيعٍ فعلية.
أشباه الموصّلات: سقفٌ سياسيٌّ لا يطابق الواقع الصناعي
لا يقتصر الطموح الرئاسي على السلع الاستهلاكية، إذ طالب ترامب بإعادة تصنيع 50 بالمئة من أشباه الموصّلات داخل الولايات المتحدة بحلول نهاية ولايته. غاري شابيرو، الرئيس التنفيذي للجمعية، وصف هذا الهدف بأنه غير واقعي قائلاً: "ليس واقعياً أن نظنّ أننا سنصل، بعد عامَين تقريباً من الآن، إلى إنتاج أكثر من 50 بالمئة من تصنيع أشباه الموصّلات داخل الولايات المتحدة." وأضاف بلهجةٍ أكثر حسماً: "هذا مستحيلٌ فعلياً، ومستحيلٌ من ناحية القوى العاملة. وحتى لو ضخَّيتَ كل الأموال في هذا المشروع اليوم، فلن تتمكّن من تحقيقه."
بديلٌ أكثر واقعية: التجميع قبل التصنيع الكامل
أمام هذه الأرقام، لم تكتفِ الجمعية بالتحذير، بل اقترحت مساراً بديلاً: البدء بإعادة تجميع المنتجات داخل الولايات المتحدة بدل تصنيع كل مكوّن فيها محلياً، باعتبار ذلك "خطوة أولى" أكثر قابليةً للتطبيق. كلفة هذا المسار تُقدَّر بين 16 و19 مليار دولار فقط جزءٌ يسيرٌ مقارنةً بفاتورة التصنيع الكامل. وبحسب هذا السيناريو، ترتفع تكلفة تصنيع الهاتف الذكي بنسبة 67 بالمئة فقط بدلاً من 152 بالمئة، وتكلفة الحاسوب المحمول بنسبة 50 بالمئة بدلاً من 93 بالمئة.
لكن هذا النهج يتطلّب شرطاً أساسياً: أن تحتفظ الشركات بإمكانية الوصول إلى المكوّنات عبر "شركاء تجاريين موثوقين وموردين وحلفاء" كما ورد في تعبير الجمعية، ما يستدعي إعادة النظر في الرسوم الجمركية المفروضة حالياً على المكوّنات المستوردة من هذه الجهات. وقالت الجمعية بوضوح: "الرسوم الجمركية على المكوّنات ترفع تكاليف التجميع داخل الولايات المتحدة مقارنةً بمزيج الاستيراد الحالي... إنها تجعل التصنيع داخل أمريكا أكثر كلفة، وترفع التكاليف أكثر ما ترفعها على المنتجات التي تهمّ المستهلك أكثر من غيرها."
من يدفع الثمن في النهاية؟
هنا يكمن جوهر القلق الذي عبّرت عنه الجمعية، التي تمثّل 80 بالمئة من أعضائها شركات صغيرة تضخّ مليارات الدولارات في الاقتصاد الأمريكي سنوياً، بحسب تقديرها. هذه الشركات الصغيرة، على عكس عملاقٍ مثل آبل، أقلّ قدرةً على امتصاص أي ارتفاعٍ في التكاليف، ما يعني أن أي قرارٍ لإعادة التصنيع بالجملة سينعكس أولاً على هوامش ربحها وقدرتها على التوظيف، قبل أن ينعكس على جيب المستهلك.
كما حذّرت الجمعية من أن ارتفاع تكاليف الشركات الصغيرة قد يترك أثراً ملموساً على معدّل التضخّم الأمريكي العام، الذي وصفته بأنه "أعلى من المستهدف ويواصل الارتفاع أصلاً". وخلصت إلى تحذيرٍ سياسي واضح: "السياسة التي تتعامل مع التكنولوجيا الاستهلاكية كهدفٍ واحدٍ غير متمايز لإعادة التصنيع تخاطر بفرض أعلى التكاليف الاستهلاكية بالضبط في المواضع التي تكون فيها الجدوى الاقتصادية أضعف ما يمكن. فالفئات التي يعتبرها المستهلكون الأكثر أساسية، وفي مقدّمتها الهواتف الذكية وأجهزة الحاسوب المحمول، هي بالضبط الفئات التي تكون فيها كلفة الإنتاج المحلي الكامل الأعلى."
وبين طموحٍ رئاسي بسيادة صناعية كاملة، وواقعٍ تُقدّر فيه كلفة العمالة وحدها بمئات الآلاف من الوظائف غير المتوفّرة أصلاً، يبقى السؤال معلّقاً: هل ستختار واشنطن مسار التجميع التدريجي الأقل كلفةً والأكثر واقعية، أم ستتمسّك بشعار "صنع في أمريكا" بالكامل، على حساب فاتورةٍ يدفعها في النهاية العامل الباحث عن وظيفة والمستهلك الباحث عن هاتفٍ بسعرٍ معقول؟
أخبار ذات صلة

العلماء يطورون ميكروباً لمساعدة الإنسان على استيطان المريخ

السيارات ذاتية القيادة والمزودة بالطاقة الشمسية التي تتواصل مع بعضها: هكذا قد تبدو المركبات بعد عقد

هل أطلقت محطة الفضاء السوفييتية مدفعاً فعلاً؟
