وورلد برس عربي logo

داخل عوالم الاضطراب والحب الممنوع في السينما

في فيلم Cute رحلة نفسية معقدة لرجل يواجه انجذاباً داخلياً غير مرغوب له وعلاقة مشحونة مع امرأة مكسورة، تستكشف المخرجة صراعات الإنسان المتناقضة وحباً مختلفاً يطرح أسئلة صعبة عن الاضطراب والإنسانية وورلد برس عربي.

امرأة شابة ذات شعر أحمر مموج ترتدي فستاناً أسود رقيق الأشرطة وتقف أمام خلفية داكنة، تعبيرها هادئ ويدها تلمس شعرها.
سماي كولادو، مهرجان سان سيباستيان السينمائي
التصنيف:تسلية
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

في القاعة المظلمة بمهرجان سان سيباستيان، لم يكن التصفيق هو ما ساد بعد العرض العالمي الأول لفيلم "Cute"، بل صمتٌ ثقيل تخلّله همسٌ متوتّر بين المقاعد. لم تُعرض على الشاشة أيّ لقطةٍ فاضحة، ولم يُصرَّح بأيّ فعلٍ، ومع ذلك خرج الجمهور من القاعة وكأنّه واجه شيئاً لا يريد الاعتراف برؤيته. هذا بالضبط ما أرادته المخرجة النرويجية Marlene Emilie Lyngstad من عملها الروائي الأول: أن يوقظ اضطراباً لا يمكن تبريره بمشهدٍ صريح، بل بما يدور في داخل شخصيّاتها.

تقول لينغستاد: "أجد أنّ من المثير والمشوّق أن يخلق الفيلم ردود فعل قويّة كهذه". وتضيف موضحةً مصدر هذا الاضطراب: "لا يوجد أيّ مشهدٍ صريح في الفيلم، لذا فإنّ الشعور بعدم الارتياح يجب أن ينبع من الصراعات الداخلية للشخصيات. ربما يواجه الناس وحوشهم الخاصة؟".

حكاية رجلٍ يهرب من نفسه

في قلب "Cute" يقف ريتشارد، رجلٌ يجد نفسه منجذباً إلى ابنة صديقته البالغة من العمر سبع سنوات انجذابٌ غير مرغوبٍ فيه، لم يطلبه ولا يريده. بدلاً من مواجهة هذا الشعور في محيطه، يهرب ريتشارد ويحتمي في بيت طفولته القديم، حيث تعمل ستيلا كمُمرِّضة مرافقة لوالدته. لكنّ ستيلا نفسها ليست شخصيةً هادئة أو محايدة؛ إنّها تتصرّف كطفلةٍ صغيرة، فتتحوّل العلاقة بينها وبين ريتشارد إلى مساحةٍ ملتبسة تختلط فيها الهشاشة بالخطر.

هنا تصرّ لينغستاد على تمييزٍ تعتبره جوهرياً لفهم فيلمها: "أعتقد أنّ هناك فرقاً مهمّاً بين شعور الذنب عند من ارتكب اعتداءً على طفل، وشعور الذنب عند من يحمل انجذاباً غير مرغوبٍ فيه ويصرّ على عدم الفعل بناءً عليه. فيلمي يتعامل مع الحالة الثانية". وتوسّع السؤال الذي يحرّك الفيلم: "ريتشارد يخوض معركةً داخلية تضعنا أمام أسئلةٍ صعبةٍ لكنّها مهمّة: كيف يمكن لهذا الشخص أن يبني حياةً كريمة وهو يحمل عاراً لا يمكن محوه أبداً؟ وهل هذا الشخص يستحقّ الحب أيضاً؟".

فالفيلم، كما تصفه مخرجته، ليس دراسةً في الانحراف بل قصّة حبّ من نوعٍ مختلف: "إنّه يسأل ما هو الحب. إنّه عن شخصين بالغين، كلٌّ منهما مكسورٌ بطريقته الخاصة، يتوقان إلى أن يكونا محبوبين بلا شروط". وحين سُئلت عن سبب عدم اكتفاء شخصيّاتها بحبٍّ عادي، أجابت ببساطة: "لأنّهما يريدان أكثر من ذلك".

وتصف لينغستاد فلسفتها الإخراجية بوضوح: "لا يهمّني الشعور بعدم الارتياح لذاته، لكنّني أعتقد أنّ درجةً من الاضطراب أمرٌ لا مفرّ منه عند طرح أسئلةٍ قد لا تملك أجوبة. أجد البشر متناقضين بطريقةٍ مزعجة، وأحبّ أن يكشف السينما هذه التناقضات".

ريتشارد وستيلا في مشهد داخلي بحمام، يعبران عن التوتر والاضطراب النفسي في فيلم "Cute" للمخرجة مارلين إميلي لينغستاد.
Loading image...
يان غونار رويز وجينا جاكلين توماس ديرهولم

ممثّلة بلا تدريبٍ، وحضورٌ لم يكن في الحسبان

من أكثر جوانب "Cute" لفتاً للانتباه هو اختيار Gina Jaqueline لأداء دور ستيلا قرارٌ لم يكن تقليدياً بأي مقياس. تحكي لينغستاد عن لقائها الأول بجاكلين: "قابلت جينا لأوّل مرة خلال بحثي لهذا الفيلم. كانت تجمع صوراً من جماليّة 'الكيوت' (cute)، وكنت مهتمّة بفهم سرّ جاذبية هذه الجماليّة على البالغين. وعندما حدّثتها عن ستيلا، انفتحت على تجربتها مع OnlyFans وسوق المحتوى الإيروتيكي على الإنترنت".

كانت جاكلين، كما توضح المخرجة، تعرف هذا العالم من الداخل، ما دفعها إلى إشراكها في تطوير السيناريو بصفة مستشارة، ثم لاحقاً في عملية اختيار الممثلين نفسها. تقول لينغستاد: "لم تكن تملك أيّ تدريبٍ رسميّ في التمثيل. حين بدأنا عملية الاختيار، قرّرت أن أدعو جينا، مع أنّها لم تتلقَّ أيّ تدريبٍ رسمي. تبيّن أنّها موهبةٌ خام. كانت قادرةً على أن تنتزع المَشاهد من الصفحة وتقدّم أداءً تجاوز كلّ ما تخيّلته". وتصف حضورها بأنّه لامسها بعمق: "كانت تتنقّل على الخط الرفيع بين أن تكون فاتنةً بشكلٍ استثنائي، ومليئةً بالحياة، وهشّةً للغاية، ومسكونةً في الوقت نفسه. تأثّرت جداً بحضورها".

وفي المقابل، يقف Jan Gunnar Røise في دور ريتشارد، وهو ممثّلٌ سبق أن تعاون مع لينغستاد في فيلمها التخرّجي "Norwegian Offspring". وتصف التقابل بين الأداءين بأنّه كان "مثيراً بشكلٍ خاص": "كانت المواجهة بين دقّة يان غونار وسيطرته، مقابل خفّة جينا وحدسها". هذا التباين بين الحرفيّة المضبوطة والغريزة الخام هو، في جوهره، ما يمنح الفيلم توازنه الداخلي بين شخصيّتين مكسورتين بطريقتين مختلفتين تماماً.

صورٌ يوفّرها الإنترنت، وحدودٌ لا يريد أحدٌ رسمها

تتجاوز لينغستاد في حديثها حدود الفيلم لتضع يدها على ما تعتبره جرحاً ثقافياً أوسع: العلاقة الملتبسة بين صور الطفولة والجنس في الثقافة الشعبية المعاصرة. تقول بلا مواربة: "إنّه أمرٌ منافقٌ"، قبل أن توضح: "لهذا أردت أن أتعامل مع الصور التي يوفّرها الإنترنت. الصور التي تربط بين الطفولة والجنس هي جزءٌ من الثقافة الشعبية، وحتى من المواد الإيروتيكية السائدة. لقد ظهرت منطقةٌ جديدة من الالتباس الأخلاقي. كيف يجب أن نتعامل مع هذه الخطوط الغامضة بين الخيال، والتمثيل، والاستغلال؟".

وتربط المخرجة بين هذا الصمت الثقافي وردّ فعل الجمهور نفسه على فيلمها: "أعتقد أنّنا لا نريد أن ننظر إلى هذا. ربما لأنّنا جميعاً نحمل نوعاً من الضمير المذنب؟". فالفيلم، في نظرها، لا يقدّم إجابات جاهزة بقدر ما يفتح مساحةً للنظر فيما نتجنّب النظر إليه عادةً، بعيداً عن السرديات الإعلامية التي تميل غالباً إلى تقديم القضايا بلونين فقط أبيض وأسود بينما يبحث جمهور السينما، كما تعتقد لينغستاد، عن التعقيد الذي يقع بينهما.

إنتاجٌ عابرٌ للحدود الاسكندنافية

وراء الكاميرا، حمل "Cute" بصمة تعاونٍ اسكندنافي واسع: أنتجته شركة Nordisk Film Production A/S في الدنمارك، وشاركت في إنتاجه Nordisk Film Production Ab، إلى جانب Film I Väst في السويد وAmarcord في النرويج. أما مبيعاته العالمية فتتولّاها شركة TrustNordisk. وإلى جانب Røise وJaqueline، يضمّ طاقم التمثيل Karin Bertling وKitt Maiken Mortensen وMolly Kirk Rasmussen.

يبقى "Cute" بعد عرضه في سان سيباستيان فيلماً يصعب تصنيفه بسهولة: لا هو دفاعٌ عن الأذى، ولا هو حكمٌ أخلاقي جاهز، بل محاولة كما تصفها مخرجته للنظر مباشرةً في وجه ما نفضّل أن نديره ظهرنا له. وربما يكون ذلك الصمت الذي خيّم على القاعة بعد العرض الأول هو أصدق ردّ فعلٍ يمكن أن يحصده فيلمٌ يسأل أسئلةً لا تملك إجابات مطمئنة.

أخبار ذات صلة

Loading...
منتجون من إيطاليا والبرازيل وإسبانيا يناقشون في مهرجان Iberseries & Platino صناعة القصص الأصلية ودور الكتاب في Banijay Entertainment.

بانيجاي للإنتاج: اكتشف المواهب أولاً، ثم مول الأفكار

في عالم الإنتاج الدرامي، تبرز Banijay كشبكة تجمع استوديوهات من إيطاليا والبرازيل وإسبانيا تركز على الإبداع والكتابة الأصلية. اكتشف كيف تُصنع القصص التي تستحق المشاهدة وانطلق معنا في رحلة الإبداع.
تسلية
Loading...
وجه روبرت باتينسون مركّز ومقسّم عبر شاشة متعددة الأجزاء، يعكس دوره في فيلم "Primetime" الدرامي الصحفي.

افتتاحية مبهرة لفيلم "Primetime" من إنتاج A24 بـ 192 مليون دولار تثبت قوة روبرت باتينسون في شباك التذاكر

روبرت باتينسون يتخطى صورة نجم "Twilight" ليصبح جسراً بين السينما الفنية وجمهور الشباب الباحث عن الترفيه. اكتشف كيف يحقق نجاحات كبيرة ويعيد تعريف النجومية. تابع القصة كاملة الآن!
تسلية
Loading...
ثلاثة علماء فضاء بارزين في الستينيات يناقشون نموذج صاروخ ضمن تعاونهم مع ديزني لإنتاج برنامج فضائي تعليمي.

دونالد داك وعم الفضاء: الملهم الحقيقي وراء الشخصية الكرتونية

تعرّف على لودفيغ فون دريك، الشخصية التي جمعت بين العلم والترفيه في حقبة سباق الفضاء. اكتشف كيف ساهم علماء الفضاء في صنع أول برنامج فضائي شعبي. تابع لتغوص في قصة فريدة تجمع الخيال بالواقع العلمي.
تسلية
Loading...
فتاتان تجلسان على مقدمة سيارة حمراء في مشهد من فيلم الرسوم المتحركة "الجزيرة المنسية" الذي يستعرض الصداقة والمغامرات في عالم الأساطير الفلبينية.

الجزيرة المنسية : احتفاءٌ رسوم متحركة بالصداقة والثقافة الفلبينية

تبدأ رحلة صداقة ساحرة بين فتاتين في فيلم "الجزيرة المنسية" حيث تلتقي الأساطير الفلبينية بالرسوم المتحركة المبهرة. اكتشفوا مغامرتهم الغامضة وانغمسوا في عالم مليء بالسحر والتحديات. تابعوا القصة الآن!
تسلية
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية