أجسام تقترب من الشمس وتنجو من الفناء الحقيقي
هل عطارد أقرب جسم من الشمس؟ اكتشف كيف تتفوق مذنبات عابرة على الكواكب والمركبات الفضائية في الاقتراب من الشمس وما هو الرقم القياسي الحقيقي للأجسام التي نجت من حرارة الشمس في رحلة مذهلة عبر الفضاء مع وورلد برس عربي.

أيّ جسمٍ اقترب من الشمس ونجا من الفناء؟ الإجابة قد تُفاجئ من يظنّ أنّ كوكب عطارد، أقرب الكواكب إلى الشمس، هو صاحب الرقم القياسي في هذا الباب. فعطارد، عند أقرب نقطةٍ في مداره (الحضيض الشمسي)، لا يقترب من الشمس أكثر من 29 مليون ميل (47 مليون كيلومتر)، وهي مسافةٌ ضخمة إذا ما قورنت بما استطاعت أجسامٌ أخرى، طبيعية وصناعية، بلوغه. الجسم الأقرب الذي رصده العلماء فعلياً ونجا من التدمير هو مذنّبٌ عابرٌ ظهر عام 1887، لا مركبة فضائية ولا كويكب، وهنا تكمن المفارقة التي يستحقّ القارئ فهمها: هناك فرقٌ جوهري بين "الأقرب المُثبَت بالرصد" و"الأقرب المُفترَض نظرياً"، والخلط بينهما شائعٌ في الأحاديث الشعبية عن الفضاء.
متى تصبح مركبة فضاء «قريبة» من الشمس؟
أطلقت وكالة الفضاء الأمريكية (NASA) مسبار Parker Solar Probe عام 2018 بمهمّةٍ محدّدة: دراسة الغلاف الجوّي الخارجي للشمس المعروف بـ"الهالة" . وفي آخر ثلاث دورات من مهمّته الأساسية، بلغ المسبار مسافة 4.5 مليون ميل (7.3 مليون كيلومتر) من الشمس، محمياً بدرعٍ من رغوة الكربون قاوم الحرارة الشديدة، بل إنّه فعلياً اخترق طبقة الهالة نفسها. ورغم أنّ هذا الرقم يبدو مذهلاً هندسياً، فإنّ المسبار يبقى أبعد بأضعافٍ كثيرة عن سجلّ الأجسام الطبيعية، ما يوضّح حجم الفجوة بين ما تستطيع التكنولوجيا الحالية تحمّله وما تتيحه الفيزياء الطبيعية لأجسامٍ أصغر وأقلّ هشاشة تقنياً كالمذنّبات والكويكبات. تفاصيل المهمّة وموقع المسبار الحالي متاحةٌ في صفحة بيانات مهمّة Parker وصفحة تتبّع موقعه.
كويكبات تعبر مدار عطارد
فئةٌ أخرى من الأجسام تُعرف بـ"عابرات عطارد"، وهي كويكبات تتقاطع مداراتها مع مدار عطارد نفسه، وتتميّز عموماً بمدارات شديدة الاستطالة (بيضوية بشكل كبير). ووفق قاعدة بيانات الأجسام الصغيرة التابعة لوكالة NASA، يحمل الكويكب 2024 YL3 حالياً الرقم القياسي بين هذه الفئة، إذ يبلغ طوله 463 قدماً (141 متراً)، ويصل حضيضه الشمسي إلى 6.4 مليون ميل (10.3 مليون كيلومتر) أي ما زال أبعد بكثير عن رقم المذنّب التاريخي، لكنّه أقرب بكثير من عطارد ذاته. ويفسّر عالم الفلك سكوت شيبرد من مؤسسة Carnegie Science أصل هذه الأجسام بقوله: "لم تتشكّل هذه الأجسام في هذا الموقع، بل يُرجَّح أنها تناثرت من حزام الكويكبات الرئيسي باتجاه الشمس"، وهو تفسيرٌ يتّسق مع طبيعة مداراتها الشديدة الاستطالة التي تُشير إلى أصلٍ خارجي وليس تشكّلاً محلّياً. (السيرة العلمية لشيبرد متاحة عبر موقع Carnegie Science).
هل توجد كواكب مصغّرة لم تُكتشف بعد؟
قبل أن يُحسم الجدل حول عابرات عطارد، اقترح فلكيون قديماً وجود كوكبٍ صغير داخل مدار عطارد أطلقوا عليه اسم "فولكان" ، ما أدّى لاحقاً إلى تسمية فئة افتراضية من الكويكبات بـ"فولكانويدز" يُفترض أنها تدور في مساراتٍ دائرية داخل مدار عطارد نفسه. تضع النماذج الرياضية مدارات هذه الأجسام الافتراضية بين 5.58 و23.23 مليون ميل (8.98 و37.39 مليون كيلومتر) من مركز الشمس، وهي مسافةٌ قد تجعلها، إن وُجدت فعلاً، أقرب إلى الشمس من عابرات عطارد. غير أنّ وجودها يبقى نظرياً بحتاً: فقد خلصت دراسةٌ نُشرت عام 2013 إلى عدم العثور على أيّ أثرٍ لهذه الأجسام، وهي نتيجةٌ تتّسق مع أعمال الفيزيائي مارتن بيتش من جامعة ريجينا حول هذا الموضوع. الخلاصة أنّ الفولكانويدز، مهما بدت مغرية كتفسير، تظلّ حتى الآن فرضيةً لم تتحوّل إلى مشاهدةٍ مؤكَّدة.
مذنبات الغطس الشمسي: الرقم القياسي الذي لم يُسجَّل بعد
المذنّبات الكاسحة للشمس، أو ما يُعرف بـ"سنغريزرز"، تقترب عموماً حتى مسافة 1.49 مليون ميل (2.39 مليون كيلومتر) من الشمس، وإن كانت المسافة الفعلية تختلف تبعاً لمعطيات مدار كلّ جسمٍ على حدة، بحسب ما توثّقه الوكالة الأوروبية للفضاء (ESA). بعض هذه المذنّبات الصغيرة لا يتجاوز عرضها 30 قدماً (10 أمتار)، وهي قابلةٌ للتفتّت بسبب التسخين غير المتجانس لسطحها، بينما تتعرّض المذنّبات الأكبر لتمزّقٍ ناتج عن جاذبية الشمس نفسها. وقد تناولت دراسةٌ نُشرت عام 2018 مسارات هذه المذنّبات، وارتبط اسم الباحث مان-تو هوي من مرصد شنغهاي الفلكي بهذا النوع من التحليلات المدارية.
أمّا الرقم القياسي المُوثَّق فعلياً فيعود إلى "المذنّب الجنوبي العظيم" لعام 1887، الذي اقترب حتى مسافة 446,187 ميلاً (718,070 كيلومتراً) من الشمس، ليبقى حتى اليوم أقرب جسمٍ رُصد فعلياً ونجا (بيانات المدار متاحة عبر قاعدة بيانات JPL). لكن هذا الرقم، رغم تفوّقه على كلّ ما رصده البشر، لا يمثّل الحدّ النظري الأقصى: فثمّة فئةٌ فرضية تُعرف بـ"المذنّبات الغاطسة في الشمس" أو "الضاربة للشمس"، وهي أجسامٌ تعبر السطح المرئي للشمس (الغلاف الفوتوني) فعلياً وتنغمس فيها فتُدمَّر تماماً. يُعتقد أنّ هذا النوع من المذنّبات كان شائعاً في بدايات النظام الشمسي، لكنه بات نادراً جداً اليوم، ولم يُرصد أيّ مذنّبٍ من هذا النوع حتى الآن. ولكي يُصنَّف مذنّبٌ ضمن هذه الفئة، يجب أن يقلّ حضيضه الشمسي عن 432,244 ميلاً (695,630 كيلومتراً)، وهي مسافةٌ تُعادل نصف قطر الشمس من مركزها. ولو رُصد مذنّبٌ كهذا فعلاً، فسيتفوّق على رقم "المذنّب الجنوبي العظيم" بفارق 13,943 ميلاً (22,439 كيلومتراً) فقط لكنه، بطبيعة الحال، لن يحظى بفرصةٍ لعبورٍ ثانٍ، إذ يُدمَّر كلياً عند أول اصطدامٍ به.
هذه الفجوة بين ما رُصد فعلياً وما تسمح به النماذج النظرية تلخّص جوهر السؤال الذي يطرحه القارئ حين يبحث عن "أقرب جسمٍ إلى الشمس": الجواب الدقيق ليس رقماً واحداً، بل مستويان من اليقين العلمي رقمٌ قياسي مؤكَّد يحمله مذنّب 1887، وسقفٌ نظري أعلى قد يُحطَّم يوماً إذا رصدت التلسكوبات الحديثة مذنّباً غاطساً في لحظة انغماسه الأخيرة، قبل أن يتلاشى إلى الأبد.
أخبار ذات صلة

إطلاق SpaceX شحنة إلى محطة الفضاء الدولية الأحد

الثقوب السوداء الضخمة تبتلع المادة وتطلق نفاثات راديوية بعد 300 يوم

رواد الفضاء على القمر قد يصبحون "مكثفات كهربائية حية" تهدد المركبات
