كيف أضاء كويكب الأرض بأول شرارة للحياة
اكتشف كيف أن الاصطدام الكويكبي الذي قضى على الديناصورات خلق "فرنًا" حراريًا تحت الأرض استمر ملايين السنين وربما شكل بيئة مناسبة لنشوء الحياة الأولى في نظام حراري مائي عميق تحت سطح الأرض مع فرص لتطور الكائنات الدقيقة في وورلد برس عربي.

منذ فترة طويلة، اعتاد علماء الكواكب النظر إلى الكويكب الذي ضرب الأرض قبل نحو 66 مليون سنة باعتباره قاتلاً فحسب الحدث الذي أنهى عصر الديناصورات غير الطائرة وأباد أنواعاً لا حصر لها. لكن دراسة جديدة تقلب هذه النظرة جزئياً: فالحرارة الهائلة التي خلّفها الاصطدام لم تكن أداة فناءٍ فقط، بل ربما كانت، لملايين السنين، حاضنةً محتملة لأشكالٍ أولى من الحياة. هذا هو السؤال الذي يطرحه بحثٌ جديد نُشر في مجلة Communications Earth & Environment عام 2026 (المعرّف الرقمي DOI: 10.1038/s43247-026-03618-5)، وقادته الجيولوجية والباحثة في علوم الكواكب Annemarie Pickersgill.
كم استمر «الفرن» الذي أشعله الكويكب تحت الأرض؟
حين اصطدم كويكب Chicxulub بما يُعرف اليوم بشبه جزيرة يوكاتان (Yucatan) المغمورة جزئياً، تولّدت أمواج تسونامي وحُطامٌ ساخن أباد الديناصورات غير الطائرة وأنواعاً عديدة أخرى. لكن الأثر الأعمق لم يكن على السطح، بل تحته: فالحرارة الناتجة عن الارتطام في قاع المحيط أنشأت نظاماً حرارياً مائياً (hydrothermal system)، تسرّبت خلاله المياه الساخنة عبر مسامّ صخورٍ انصهرت بفعل الاصطدام ثم تعرّضت لمياه البحر فصارت مسامية. بلغ التشوّه الصخري الناتج عن الضربة عمق 35 كيلومتراً تحت الأرض تقريباً أي نحو 22 ميلاً تقريباً.
الرقم الذي كان سائداً حتى وقتٍ قريب يقدّر عمر هذا النظام الحراري بنحو مليوني سنة فقط. لكن التحليل الجديد للعيّنات الصخرية يكشف أن التقدير السابق كان أقل من الواقع بأربعة أضعافٍ على الأقل: النظام استمرّ فعلياً نحو 8 ملايين سنة، وهذا الفارق الزمني الشاسع هو ما يمنح الفرضية البيولوجية وزناً أكبر.
كيف يُحدَّد عمر صخرةٍ ارتطمت بها الأرض قبل 66 مليون سنة؟
لم تُبنَ هذه النتيجة على تخمين، بل على عيّناتٍ فعلية. سبق أن حفر الباحثون في منطقة الارتطام عام 2016 لاستخراج عيّنات، ثم عادت Pickersgill لاحقاً لتحفر بنفسها حتى عمق كيلومترٍ واحد، واستخرجت عيّنات من معدن الفلسبار (feldspar). هذا المعدن يحتوي على البوتاسيوم، والبوتاسيوم-40 يتحلّل تدريجياً إلى الأرجون-40 بمعدلٍ معروف؛ ومقارنة نسبة العنصرين تتيح تأريخ الصخرة بدقة وهي التقنية المعروفة بتأريخ البوتاسيوم-الأرجون، والتي استُخدمت سابقاً أيضاً لتأريخ صخورٍ قمرية وتكوّناتٍ بركانية على الأرض.
أظهرت مستويات الأرجون أن النظام ظلّ ساخناً من 66 مليون سنة إلى 58 مليون سنة مضت أي فترة استمرارٍ تقارب 8 ملايين سنة. وما يعزّز الثقة في هذا الرقم أنه لم يأتِ من مصدرٍ واحد: محاكاة حاسوبية مستقلة قدّرت أن التبريد إلى 90 درجة مئوية (194 فهرنهايت) عند عمق كيلومترٍ واحد استغرق بين 1.5 و2.3 مليون سنة، بينما استغرق التبريد إلى ما دون 50 درجة مئوية (122 فهرنهايت) نحو 5 ملايين سنة. وبعد 6 ملايين سنة من الارتطام، تراجع تدفّق المياه الساخنة بشكل كبير، لتتوقف الحركة الحرارية تماماً بحلول السنة الثامنة مليون. تطابق نتائج المحاكاة مع أعمار الصخور المستخرجة من تحليل النظائر هو ما يمنح الدراسة متانتها المنهجية.
هل كان هذا «الفرن» مسكوناً؟
هنا يتوخّى الفريق البحثي الحذر المنهجي المعتاد في علم الأحياء الفلكي (Astrobiology): الباحثون قيّموا ما إذا كان الارتطام قد خلق ظروفاً صالحة للسكن، لكنهم لم يثبتوا أن الحفرة كانت مأهولة فعلاً بأي كائنات. هذا تمييزٌ جوهري فالصلاحية للسكن شيء، والدليل على وجود حياة فعلي شيءٌ آخر تماماً، وآثار الحياة في مثل هذه الأنظمة صعبة الاكتشاف أصلاً.
ما يدعم الفرضية مع ذلك هو سوابق رُصدت في أنظمةٍ مشابهة حول العالم: من بين 70 حفرة ارتطامٍ تحت الماء أظهرت نشاطاً حرارياً مائياً، استوطنت الميكروبات ثماني حفراتٍ منها. هذه الأنظمة تُعتبر عموماً بيئاتٍ محتملة الصلاحية للسكن لأنها توفّر في آنٍ واحد الحرارة والعناصر الغذائية اللازمة، كما توضح صحيفة حقائق عن الفتحات الحرارية المائية. وكما تقول Pickersgill: «فترات النشاط الحراري المائي الأطول ستولّد نوافذ فرصٍ أوسع لحدوث تفاعلات كيميائية سابقة للحياة، ولتطوّر الحياة، وازدهار الكائنات الدقيقة وانتشارها إلى ما بعد نقطة منشئها».
ماذا لو كان الارتطام أكبر؟
المثير في الاستنتاجات النهائية للدراسة هو إسقاطها على سيناريوهاتٍ أوسع من Chicxulub نفسه. فكما تشير Pickersgill: «لا يزال Chicxulub صغيراً نسبياً مقارنةً بأحواض الارتطام المتوقّعة على الأرض البدائية والمُرصَدة على أجرامٍ كوكبية أخرى». وتضيف: «من الممكن إذن أن تكون هذه الارتطامات الأكبر قد خلقت أنظمة حرارية مائية أطول عمراً، وبالتالي كانت قادرة على الحفاظ على درجات الحرارة وتدفّق السوائل اللازمة لبيئاتٍ صالحة للسكن لمدةٍ لا تقل عن عدّة ملايين من السنين».
هذا ما يجعل الدراسة، رغم محدوديتها الجغرافية-الزمنية، ذات دلالةٍ تتجاوز حفرة يوكاتان الواحدة: فربط الارتطامات الكونية بالعمليات التي ساعدت الحياة على الازدهار يظل مهمة بحثية صعبة، لكن كل عمرٍ إضافي يُكتشف لنظامٍ حراري مائي يمنح الكائنات المفترضة وقتاً أطول لاستعمار فتحاتٍ حرارية والانتشار منها سواء حدث ذلك بالفعل على الأرض قبل 66 مليون سنة، أو في حفرٍ مشابهة أكبر حجماً قد تكون تشكّلت في مراحل أبكر من تاريخ كوكبنا، أو حتى على أجرامٍ أخرى لا تزال تنتظر من يفحص صخورها.
أخبار ذات صلة

إطلاق SpaceX شحنة إلى محطة الفضاء الدولية الأحد

الثقوب السوداء الضخمة تبتلع المادة وتطلق نفاثات راديوية بعد 300 يوم

رواد الفضاء على القمر قد يصبحون "مكثفات كهربائية حية" تهدد المركبات
