شباب كارنيغي هول يحيون موسيقى الروك الفني الحي
في فيلم "Cameron Winter at Carnegie Hall" يلتقط بول توماس أندرسون لحظة فريدة لشاب يغني في قاعة كارنيغي الشهيرة، حيث تتحول موسيقى الروك الفنية إلى تجربة حميمية وعميقة تكشف عن إحساس الإنسان بالوحدة والقيمة. اكتشف القصة مع وورلد برس عربي.

على خشبة قاعة كارنيغي الفارغة إلا من بيانو وضوءٍ واحد، يجلس شابٌّ في الثالثة والعشرين من عمره، وجهه يغيب ويظهر مع كل تحوّل في الإضاءة، بينما تتحرّك كاميرا بانافيجن (Panavision) ببطء حوله، كأنها تتنفّس معه قبل كل مقطوعة. هذا الكادر الذي صنعه المخرج Paul Thomas Anderson في ديسمبر الماضي هو نواة فيلمه الجديد "Cameron Winter at Carnegie Hall"، الذي لن يبقى حبيس المهرجانات طويلاً: ستوزّعه شركة Janus Films في الصالات ابتداءً من 20 نوفمبر، بعد جولة عرضٍ محدودة على طريقة الـ"رود شو".
الفيلم، الذي تبلغ مدته 72 دقيقة، ليس حفلاً موسيقياً بالمعنى المعتاد، بل وثيقة بصرية لأمسية واحدة غيّرت موقع Cameron Winter، مغنّي فرقة Geese، من صوت صاعد في موسيقى الروك الفنية المعاصرة إلى اسمٍ يُقارَن أداؤه بأصواتٍ راسخة في تاريخ الأغنية الأمريكية والإيرلندية.
لماذا اختار أندرسون هذه القاعة تحديداً؟
لم تكن أمسية كارنيغي هول حدثاً عابراً. حضرها أكثر من 2700 متفرّج في قاعة بِيعت تذاكرها بالكامل، ليؤدّي وينتر أمامهم توزيعات بيانو شحيحة التنسيق لأغاني ألبومه المنفرد "Heavy Metal". والمفارقة التي لا يفوتها أي متابع لتاريخ هذه القاعة أن وينتر كان أكبر بعامٍ واحد فقط من العمر الذي كان عليه Bob Dylan حين تصدّر حفلاً في كارنيغي هول نفسها تفصيل صغير، لكنه يضع الأمسية في سياقٍ أكبر من مجرد حفل عابر لفنان شاب.
أندرسون، الذي أمسك الكاميرا بنفسه خلال التصوير، لم يكتفِ بتثبيتها في مكانٍ واحد؛ استخدم منصّة متحركة تتيح للكاميرا أن تعبر المسرح وتلاحق وينتر في تنقلاته، بينما تتوزّع الإضاءة على وجهه فتُضيئه حيناً وتُخفيه حيناً آخر. لا شيء آخر يقطع هذا التدفّق سوى مقدّمة وخاتمة أُضيفتا للفيلم؛ لا مقابلات، لا مشاهد خلف الكواليس، لا شيء يُبعد المشاهد عن الصالة واللحظة.
هذا ليس أول لقاء لأندرسون بالموسيقى كموضوعٍ سينمائي. فمنذ أواخر التسعينيات، حين صوّر فيديوهات موسيقية مع Fiona Apple عقب فيلمه "Boogie Nights"، ظلّت علاقته بالموسيقيين جزءاً أصيلاً من مساره. فيلمه الثالث "Magnolia" وُصف بأنه تحية لـAimee Mann، كما عمل مع ثلاثي HAIM ومنح الممثلة Alana Haim أدواراً سينمائية، وصوّر لفرقة Radiohead، ويواصل حتى اليوم تعاونه مع Jonny Greenwood في موسيقى أفلامه تعاون أثمر، من بين أعمالٍ أخرى، موسيقى فيلم "Phantom Thread" التي تُذكر دائماً كأحد أبرز الأمثلة على هذا التلاحم بين الصورة والنغمة.
أغنيةٌ عن شعور الإنسان حين يتحوّل إلى رقم
من بين الأغاني التي أدّاها وينتر في الأمسية، تبرز "$0" كواحدة من أكثر مقاطعه شعبية، وفيها يكتب عن شعوره بالاستغلال داخل علاقة عاطفية بعبارةٍ تلخّص الفكرة كاملة:
"أنتِ تجعلينني أشعر وكأنني دولارٌ في يدك / أنتِ تجعلينني أشعر وكأنني رجلٌ لا قيمة له."
أما "Love Takes Miles"، إحدى أغانيه الناجحة في الأوساط المستقلة، فتُؤدّى في الفيلم من دون أي إضافاتٍ إنتاجية صوتٌ وبيانو فقط، تماماً كما كانت الأمسية كلها: تجربة مكشوفة لا تحتمي خلف الزخرفة.
قبل أن يصل الفيلم إلى الصالات، عُرض لأول مرة ضمن فعاليات مهرجان نيويورك السينمائي (New York Film Festival)، حيث أدّى وينتر عرضاً حياً في قاعة Alice Tully Hall احتفاءً بالعرض الأول. ومن بين منتجي الفيلم اسمٌ معروف في دوائر السينما المستقلة هو Josh Safdie، الذي يضيف إلى المشروع وزناً إضافياً في صناعة السينما الأمريكية المعاصرة.
كيف استقبلته المراجعات؟
حصل الفيلم على تقييم (A-) في المراجعة التي تناولته، ووصفت Geese بأنها فرقة روك فني معاصر تنمو شعبيتها بسرعة لافتة. أما بالاد وينتر الفولكلورية فقورنت بأسلوب Harry Nilsson وVan Morrison، فيما اعتُبرت مقارنته بـTom Waits وRufus Wainright مقارنةً "دقيقة" بحسب تعبير المراجعة. ووصفت المراجعة حضور وينتر على المسرح بأنه "غير مرتاح" بينما أداؤه على البيانو "مركّز" تماماً، في تناقضٍ يمنح الفيلم توتراً إنسانياً حقيقياً. كما لاحظت أن كثيراً من الأغاني تشترك في المقام الموسيقي نفسه وتتسلل من واحدة إلى أخرى بسلاسة، لتمنح الأمسية إيقاعها الخاص الذي وصفته المراجعة بأنه "رقيق وحميمي وغامر".
ولم تتردّد المراجعة في مقارنة مكانة الفيلم بفيلم "Stop Making Sense" الشهير لكن، كما صاغتها، نسخةٌ منه "للمنطوين"، أي أولئك الذين يجدون في العزلة والهدوء شكلاً آخر من أشكال الحضور. وتذهب التوقعات إلى أن الفيلم سينضم في وقتٍ لاحق إلى مجموعة Criterion Collection، التي عادة ما تحفظ للأعمال السينمائية المتميزة مكانتها على المدى الطويل.
بين أمسية كارنيغي هول في ديسمبر، وعرضها الأول في مهرجان نيويورك، وصولاً إلى موعد 20 نوفمبر حين تفتح الصالات أبوابها للجمهور العريض، يبقى السؤال الذي يطرحه هذا الفيلم أبعد من سيرة مغنٍّ واحد: كيف توثّق السينما لحظة أداء لا تتكرّر، حين يكون الصدق وحده هو الديكور؟
أخبار ذات صلة

Tenzing: رحلةٌ استثنائية تصعد بالمشاهد إلى إيفرست مع أوّل رجلَين فتحا قمّتها — أحدهما شيربا أغفلته الذاكرة

بلومهاوس وأتوميك مونستر توقعان اتفاقية إنتاج أفلام قصيرة مع صانعة الرعب هيدي وونج

الذكاء الاصطناعي والحداد: 'Talk to Me When You Are Dead' يستكشف حدود الحياة الرقمية بعد الموت
