بيدرو باسكال وصمت الموهبة في فيلم المارد السينمائي
في فيلم Behemoth يعود بيدرو باسكال بدور طفل معجزة في عالم الموسيقى السينمائية، حيث تتشابك الذكريات والمواهب بتوقيع تسعة ملحنين كبار. أداء صامت عميق يطرح سؤال الأوسكار ويحتفي بموسيقى لوس أنجلوس المتنوعة. وورلد برس عربي

-في مساء الجمعة، وتحت أضواء قاعة أليس تَلي الكبيرة في نيويورك، جلس بيدرو باسكال خلف تشيلو، لا ليعزف فحسب، بل ليصمت بطريقةٍ مدروسة. الكاميرا تتبع وجهه أكثر مما تتبع يديه: توقّفٌ قبل النغمة، ارتعاشةٌ خفيفة في الفك، جلسةٌ منحنية قليلاً كأن الجسد يتذكّر شيئاً لا يريد أن يتذكّره العقل. هذا هو المشهد الذي افتُتح به فيلم "Behemoth!" كفيلمٍ مركزي لمهرجان نيويورك السينمائي، وهو أيضاً الملخّص الأدق لما يحاول المخرج توني جيلروي قوله عن الموهبة والثمن الذي تُدفع مقابلها.
"Behemoth!" هو أول عملٍ روائي طويل يُخرجه جيلروي منذ "The Bourne Legacy" عام 2012، وفيه يؤدي باسكال شخصية أليكس سيريان، طفلاً معجزة سابقاً ينحدر من عائلة لوس أنجلوس من موسيقيي الاستوديوهات. يعود أليكس إلى بيته بعد عشرين عاماً من التجوال لتسجيل الموسيقى التصويرية لأفلام هوليوود، ليجد أن الأماكن لم تتغيّر بقدر ما تغيّر هو. الأداء، بحسب المراجعة، أداءٌ متقشّف ومُنكفئ على الداخل، ويُعدّ من أفضل ما قدّمه باسكال على الشاشة حتى الآن ليس لأنه يصرخ أو يبكي، بل لأنه يعرف متى يتوقّف.
من هو أليكس سيريان، ولماذا هرب؟
يُبنى الفيلم على بنيةٍ غير تقليدية: كل إشارة افتتاحية (cue) لفيلمٍ مختلف يتوجّب على أليكس تسجيل موسيقاه تُطلق سلسلة ذكريات تعيده إلى الأشخاص والظروف التي دفعته للهرب أصلاً. يشارك في الفيلم هانك أزاريا بدور والد أليكس، وويل أرنيت بدور شقيقه، بينما تؤدي أوليفيا وايلد دور الحبيبة السابقة التي لا يستطيع أليكس التخلّص من أثرها. تصف المراجعة النص بأنه يستكشف الحب وما يظنّ الناس أنهم يستحقّونه، وتضع الفيلم في خانةٍ قريبة من "Tár" من حيث ربطه بين موهبة البطل وجرحه. أما عنوان الفيلم، "المارد" أو Behemoth، فيشير إلى فيلمٍ خياليٍّ ضخم يُبنى السرد كله نحوه.
تسعة ملحّنين لفيلمٍ واحد
ما يميّز "Behemoth!" تقنياً هو موسيقاه: استقطب جيلروي تسعة ملحّنين، كلٌّ منهم يضع موسيقى لفيلمٍ خيالي مختلف داخل الفيلم نفسه، وهم مايكل أبيلز، وإيميلي بير، ولوكاس فرانك، ومايكل جياكينو، وجيمس نيوتن هاورد، وهنري جاكمان، ونامي ملوماد، وبراندون روبرتس، وآلان سيلفستري. الموسيقى التصويرية تتنقّل بين الحقب والأنماط، تماماً كما تتنقّل ذاكرة أليكس. ومن بين هؤلاء الملحّنين أسماء تحمل تاريخاً طويلاً مع الأوسكار: أبيلز، الذي وضع موسيقى "Get Out"، وجياكينو الذي فاز بأوسكار عام 2010 عن "Up"، ونيوتن هاورد، الذي سبق أن لحّن فيلم "Michael Clayton" لجيلروي نفسه ويحمل ترشيحات عدّة دون فوز، وجاكمان صاحب "Captain America: The Winter Soldier"، وملوماد من عمل بيكسار "Dream Productions"، وروبرتس من مسلسل "Andor"، وسيلفستري صاحب موسيقى "Forrest Gump" و"Back to the Future"، الذي لم يفز بأوسكار قط رغم رصيده الطويل.
هذا التنوّع، الذي أراده جيلروي تحيةً لمجتمع التلحين السينمائي في لوس أنجلوس الذي يراه آخذاً في الاندثار، قد يتحوّل إلى عائقٍ إداري. فبعد تعديل الأكاديمية لقواعدها عام 2024، بات بإمكان ما يصل إلى ثلاثة ملحّنين فقط الحصول على تمثال فردي عن فئة الموسيقى التصويرية الأصلية. تسعة ملحّنين يتجاوزون هذا السقف بوضوح، إلا إذا تقدّموا كمجموعة واحدة يتشاركون ترشيحاً وتمثالاً واحداً. المراجعة تطرح احتمالين لا ثالث لهما: إما استبعاد الفيلم من الفئة بالكامل، أو عدم أهليته أصلاً للمنافسة فيها.
صمتٌ قد يُقرأ كأداء
خارج مسألة الموسيقى، يبقى السؤال الأهم: هل يمنح هذا الدور باسكال فرصةً حقيقية في سباق الأوسكار؟ المراجعة تقارنه بسابقةٍ معروفة في تاريخ الجائزة: جود لو في "Cold Mountain"، حين أدّى دور الجندي الجريح إنمان، الذي قطع مشياً طويلاً عائداً من الحرب الأهلية الأميركية دون أن ينطق كثيراً. رغم هذا التقشّف في الحوار، لاحظ ناخبو الأوسكار أداءه. الرهان على باسكال مشابه: أداءٌ صامت، منضبط، يعتمد على الوجه والجسد أكثر من الكلام.
باسكال، الممثل التشيلي-الأميركي، بنى شهرته عبر "Game of Thrones" و"Narcos" و"The Mandalorian" و"The Last of Us"، وكان قد اقترب من الأربعين حين لفتت شخصيته أوبيرين مارتل في "Game of Thrones" الأنظار إليه. يُلقَّب غالباً على الإنترنت بـ"Daddy"، وقد سبق له أن أدّى دور خافيير، الملياردير المهووس بنيكولاس كيج والمتورّط ربما في عصابات المخدرات، في الكوميديا الأكشن "The Unbearable Weight of Massive Talent" عام 2022. أفلام مثل "Strange Way of Life" و"Materialists" و"Eddington" منحته مساحةً أوسع في اختيار أدواره قبل أن يصل إلى هذا الدور الذي تصفه المراجعة بأنه الأكثر انضباطاً حتى الآن.
قرن تقريباً، وفائزٌ واحد فقط
يأتي عرض "Behemoth!" خلال شهر التراث الهسباني، وهو توقيتٌ يحمل دلالته الخاصة حين يتعلّق الأمر بالتمثيل اللاتيني في هوليوود. فمنذ أن أصبح خوسيه فيرّير أول ممثلٍ لاتيني يفوز بأوسكار أفضل ممثل عن دوره في "Cyrano de Bergerac"، لم يتكرّر هذا الفوز على مدى 75 عاماً يبقى فيرّير الفائز اللاتيني الوحيد في هذه الفئة حتى اليوم. الممثل المكسيكي أنتوني كوين فاز بأوسكارين في فئة الدور المساند، وحصل على ترشيحين في فئة البطولة عن "Wild Is the Wind" و"Zorba the Greek". لاحقاً، رُشّح إدوارد جيمس أولموس عن "Stand and Deliver"، وديميان بيشير عن "A Better Life"، وكولمان دومينغو عن "Rustin" و"Sing Sing". الموسم الماضي، أصبح البرازيلي واغنر موورا أول ممثلٍ برازيلي يُرشَّح في هذه الفئة عن دوره في "The Secret Agent".
وفي اليوم نفسه الذي شهد العرض الأول لـ"Behemoth!"، تسلّم جون ليغويزامو جائزة الإنجاز الفني في حفل "Critics Choice Celebracion"، تكريماً لأربعة عقودٍ من العمل لم تثمر ترشيحاً واحداً للأوسكار حتى الآن رغم أنه يظهر هذا الموسم بدور يوميوس في فيلم كريستوفر نولان "The Odyssey". تقترح المراجعة أن هذا قد يكون العام الذي يتغيّر فيه الأمر، خصوصاً مع احتمال أن تضمّ النسخة الـ99 من جوائز الأكاديمية أكثر من مرشّحٍ لاتيني واحد في فئة البطولة.
يُفتتح "Behemoth!" تجارياً في 4 ديسمبر، وحينها سيتّضح ما إذا كان أداء باسكال الصامت سيترجَم إلى ترشيح، وما إذا كانت الموسيقى التي صنعها تسعة أيدٍ مختلفة ستجد لنفسها مكاناً في فئةٍ لم تُصمَّم أصلاً لاستيعاب هذا العدد من الأسماء.
أخبار ذات صلة

Tenzing: رحلةٌ استثنائية تصعد بالمشاهد إلى إيفرست مع أوّل رجلَين فتحا قمّتها — أحدهما شيربا أغفلته الذاكرة

بلومهاوس وأتوميك مونستر توقعان اتفاقية إنتاج أفلام قصيرة مع صانعة الرعب هيدي وونج

الذكاء الاصطناعي والحداد: 'Talk to Me When You Are Dead' يستكشف حدود الحياة الرقمية بعد الموت
