رحلة عازف التشيلو بين الموسيقى والهروب من الذات
في فيلم Behemoth! يعود عازف التشيلو أليكس ساريان إلى لوس أنجلوس بعد غياب طويل ليواجه ماضيه المعقد عبر الموسيقى التي تعيده لأحداث حياته وعلاقاته المتشابكة. قصة مؤثرة تجمع بين الموسيقى والحنين والاختيارات الحياتية على شاشة السينما وورلد برس عربي.

في استوديو تسجيل مُعتم إلا من ضوء القراءة فوق النوتة الموسيقية، يجلس عازف تشيلو محترف وسط جوقة موسيقيين، يداه على الوتر، وعيناه في مكانٍ آخر تماماً. كلّ مقطوعة يسجّلها لا تذهب إلى الفيلم الذي يُصوَّر فقط، بل تعود به إلى مدينةٍ تركها، أو امرأةٍ لم يستطع البقاء معها، أو قاعةٍ هرب منها ذات مساء. هذا هو المشهد الذي يبني عليه المخرج Tony Gilroy فيلمه الجديد «Behemoth!»، وهو عملٌ يتعامل مع الموسيقى لا كخلفية صوتية، بل كآلة زمن.
عازفٌ يهرب من كلّ شيء إلا من الموسيقى
يؤدّي الممثل Pedro Pascal شخصية أليكس ساريان (Alex Sarian)، عازف تشيلو انطوائي يعمل موسيقياً جلسات في تسجيل الموسيقى التصويرية للأفلام، بعد عودته إلى لوس أنجلوس عقب عشرين عاماً من الغياب. أليكس ليس عازفاً عابراً؛ إنه طفلٌ معجزة من الجيل الثالث في عائلة موسيقية، أدّى عزفه الأول أمام الجمهور في السادسة من عمره على برنامج «The Tonight Show Starring Johnny Carson». لكن هذا التاريخ الموسيقي الثقيل لم يمنحه استقراراً عاطفياً؛ بل العكس تماماً. فكلّ مقطوعة يسجّلها في الاستوديو تستدعي فصلاً من حياته هرب منه قبل أن يكتمل.
تسجيل إيقاعات مطاردة في مقطوعة «Spies Don't Run» يعيده إلى محاولته الهروب من حفل غالا لأوركسترا شيكاغو السيمفونية، حيث كان يرتبط بعلاقة مع امرأة متزوّجة تؤدّي دورها الممثلة Olivia Wilde. وعزف مقطوعة «Seasons of Glass» يستحضر فترة قضاها في دالاس عام 2016، حين دخل في علاقة مع عازفة كمان، تؤدّي دورها الممثلة Eva Victor، كانت بدورها مرتبطة نصف ارتباط برجل أعمال مليارديرٍ من لوس أنجلوس يؤدّي دوره الممثل Matthew Lillard. أما تسجيل الموسيقى التصويرية السرّية لفيلم الأكشن الضخم «Behemoth!» نفسه، فيعيده إلى واقعة اقتحامه قصراً لسرقة فرشاة أسنان من أجل فحص نسب. النمط واضح: أليكس ينجذب دائماً إلى النساء غير المتاحات، ويتهرّب من أيّ التزام قد يتحوّل إلى شيءٍ دائم.
تسعة ملحّنين خلف الكواليس
ما يمنح الفيلم طبقته الموسيقية الحقيقية هو حضور تسعة ملحّنين معتمَدين ضمن صنّاعه، من بينهم ثلاثة أسماء وازنة في عالم الموسيقى التصويرية ساهموا بموسيقى «دييجيتيك» أي موسيقى تُسمع داخل أحداث القصة نفسها لا كخلفية خارجية: Alan Silvestri وMichael Giacchino وJames Newton Howard. أما الموسيقى التصويرية الخيالية للفيلم داخل الفيلم فتُنسب إلى كيانٍ تخيّلي يحمل اسم The Behemoth! Collective. هذا التقاطع بين الموسيقيين الحقيقيين والشخصيات المتخيّلة يمنح الحكاية طبقةً إضافية من الصدق الحرفي، إذ يبدو عمل أليكس كموسيقي جلسات بروفاته التي تتحوّل أحياناً إلى اختباراتٍ ضمنية لأعمالٍ لاحقة واقعياً بقدر ما هو مرآة لإحباطه المهني.
إلى جانب خط الموسيقى، يحمل الفيلم خيطاً عائلياً أكثر حميمية: والدة أليكس، التي تؤدّي دورها الممثلة JoBeth Williams، مصابة بالخرف، وهذه الحالة هي التي تستدرجه أخيراً إلى العودة إلى البيت بعد عقدين من الغياب. شقيقه، وهو مقدّم بودكاست، يؤدّي دوره الممثل Will Arnett. وفي خضمّ هذه العودة، يعيش أليكس لقاءً عابراً في فندق مع صديقة قديمة تؤدّي دورها الممثلة Margarita Levieva، وينجذب إلى موهبة موسيقية ناشئة في لوس أنجلوس تؤدّي دورها الممثلة Alexa Swinton وكأنّ الفيلم يضعه أمام مرآة طفولته هو نفسه.
وفي لحظةٍ تلخّص فلسفته الشخصية تجاه الموسيقى والحياة معاً، يقول أليكس ساريان: «عليك أن تختار طريقاً وتلتزم به»، مضيفاً: «إنّها تنبض بالحياة حين تتّخذ قراراً». العبارتان تصفان آلة التشيلو، لكنهما تصفان أيضاً رجلاً عاجزاً عن تطبيق النصيحة التي يمنحها لغيره.
غيلروي يعود بعد أربعة عشر عاماً من الصمت السينمائي
ما يمنح «Behemoth!» وزناً إضافياً هو أنه أول عملٍ سينمائي طويل لتوني غيلروي منذ أربعة عشر عاماً، وهي فجوة طويلة يملأها من استثمر خلالها حضوره في عالم «ستار وورز» عبر مسلسل «Andor»، محوّلاً تلك التجربة إلى حكايةٍ سياسية عن بناء تمرّد. العودة إلى عملٍ حميمي بحجم عازف تشيلو منطوٍ تبدو، في هذا السياق، أقرب إلى استعادة النبرة التي عرفناها في أفلامه السابقة «Michael Clayton» و«Duplicity» أفلام تتحرّك ببطءٍ محسوب داخل حياة شخصياتها قبل أن تكشف عن تعقيدها الحقيقي.
عُرض الفيلم للمرة الأولى ضمن فعاليات مهرجان نيويورك السينمائي لعام 2026، ونال تقييماً بدرجة B+ في المراجعات النقدية الأولى. ومن المقرّر أن تطرحه شركة Searchlight Pictures في دور العرض السينمائي يوم الجمعة الموافق 4 ديسمبر. وبين موعد العرض وموعد الصدور، يبقى السؤال الذي يطرحه الفيلم نفسه معلّقاً: هل يملك أليكس ساريان، بعد كلّ هذه العقود من الهروب، أن يختار طريقاً واحداً ويلتزم به فعلاً — أم أن الموسيقى ستظلّ المكان الوحيد الذي يسمح لنفسه فيه بالشعور؟
أخبار ذات صلة

Tenzing: رحلةٌ استثنائية تصعد بالمشاهد إلى إيفرست مع أوّل رجلَين فتحا قمّتها — أحدهما شيربا أغفلته الذاكرة

بلومهاوس وأتوميك مونستر توقعان اتفاقية إنتاج أفلام قصيرة مع صانعة الرعب هيدي وونج

الذكاء الاصطناعي والحداد: 'Talk to Me When You Are Dead' يستكشف حدود الحياة الرقمية بعد الموت
