صناعة القصص الإبداعية في عالم الإنتاج الدرامي
ثلاثة منتجين من إيطاليا والبرازيل وإسبانيا يكشفون كيف تصنع القصص التي تستحق أن تُروى في عالم الإنتاج الصعب عبر شبكة Banijay التي تدعم الإبداع والكتابة وتوازن بين المخاطر والفرص في صناعة الدراما. وورلد برس عربي

في قاعةٍ من قاعات مهرجان Iberseries & Platino Industria، جلس ثلاثة منتجين جاؤوا من ثلاث قارات ليتحدّثوا عن شيءٍ واحد: كيف تُصنَع حكاية تستحقّ أن تُروى، في زمنٍ تضيق فيه فرص الإنتاج وتزداد شروط من يملك المال. ماريا غراتسيا فايرو من إيطاليا، وسيموني أوليفيرا من البرازيل، وكارولينا بانغ من إسبانيا، كلٌّ منهم يقود استوديو يحمل بصمةً مختلفة، لكنّهم يتبعون جميعاً سقفاً واحداً: Banijay Entertainment، المجموعة التي تضمّ 170 علامة إنتاجية في 25 دولة حول العالم.
رئيس القسم الدرامي في Banijay، ستيف ماثيوز، هو من صاغ الرؤية التي جمعتهم على تلك المنصّة. يقول ماثيوز إنّه بنى "هذه المجموعة الكبيرة من الشركات"، ثم شجّع "هذه العملية الدقيقة التي حافظت فيها الشركة على هويّاتها الإبداعية المختلفة". العبارة تبدو كوصفةٍ إدارية، لكنّها في الواقع فلسفة عمل كاملة: شبكة عالمية لا تفرض قالباً واحداً، بل تترك كلّ استوديو يصنع ما يعرفه، ويعرف من يصنعه.
حين يكون الكاتب هو المنتج الحقيقي
ما يجمع هذه الاستوديوهات المتباعدة جغرافياً ليس تقنية تصوير أو نوعاً دراميّاً، بل اعتمادها جميعاً على الكتّاب كنقطة البداية. يقول ماثيوز إنّ "كلّ هذا يقوم على الإبداع، على الموهبة، على الكتابة"، ويضيف أنّ متعته الحقيقية هي "البحث عن كتّاب يكتبون بأسلوب الحلقات المتتابعة ويكونون جاهزين لابتكار عمل كامل".
هذا البحث ليس عشوائياً. مرّتين كلّ عام، تنظّم Banijay معسكرات تدريبية للكتّاب والمنتجين، تمتدّ كلّ واحدة أربعة أيام، وتجمع أشخاصاً من علامات إنتاجية مختلفة ليطوّروا أفكاراً أو نصوصاً مشتركة. يرى ماثيوز أنّ تدريب الكتّاب والمنتجين الجدد أصبح ضرورة أكبر من أيّ وقتٍ سابق، لأنّ ازدهار منصّات البثّ تزامن مع تراجع بعض مدارس تطوير النصوص في أوروبا. بعبارة أخرى: الصناعة توسّعت أسرع من قدرتها على تكوين من يملأ هذا التوسّع بالكفاءة.
إيطاليا، البرازيل، إسبانيا: ثلاث طرق لصناعة الصدق
في إيطاليا، تبني شركة Groenlandia خطّتها الإنتاجية حول قصص أصلية، غالباً مستوحاة من أحداث حقيقية وشخصيات مهمَّشة لم تأخذ حقّها من الاهتمام. تقول ماريا غراتسيا فايرو، مديرة المحتوى في الشركة: "ما يبحثون عنه حقّاً هو القصص الأصلية". وتلخّص فلسفة العمل كلّها بجملةٍ واحدة: "كتّاب جيّدون، هذا هو الأمر كلّه فعلاً". المثال الأوضح على هذا النهج هو المسلسل الذي صنعته الشركة عن فرقة البوب الإيطالية 883، والذي وُلد كمشروع لموسمٍ واحد فقط، قبل أن يتحوّل إلى عملٍ ناجح يتجدّد موسماً بعد موسم. في Groenlandia، لا يُترك الكاتب وحيداً مع فكرته؛ تُعطيه الشركة شريكاً إبداعياً يساعده على فهمها وتطويرها حتى تنضج.
في البرازيل، تعمل A Fábrica على جبهاتٍ متعدّدة: المسلسلات الفاخرة، والأفلام، والكوميديا الخفيفة. تطوّر الشركة حالياً عدّة مشاريع مع الكاتب البرازيلي رافائيل مونتيس، بين أعمال مقتبسة ومسلسلات أصلية بالكامل، في استثمارٍ طويل النفس على صوتٍ كتابي واحد بدل البحث عن أفكار متفرّقة.
وفي إسبانيا، كانت Pokeepsie Films معروفة بالرعب والكوميديا، إلى أن قادت الرئيسة التنفيذية كارولينا بانغ الشركة نحو أرضٍ جديدة: حكايات الشباب. بدأت الحكاية بالصدفة، حين اكتشفت بانغ كتباً كان يقرؤها أصغر أفراد عائلتها، فوقعت في حبّ المادة، وقضت سنوات تحاول إيصال المشروع إلى مرحلة الإنتاج. تقول بانغ بوضوح: "نحن نفعل ما يحلو لنا"، وتضيف نصيحتها لمن يبحث عن نجاح مضمون: "إن كان في ذهنك أن تحقّق نجاحاً، فلن تحقّقه. عليك أن تؤمن بما تفعله".
لماذا يتعذّر التنبّؤ بالنجاح؟
لكنّ الإيمان بالمادة لا يحصّنها من تقلّبات السوق. يحذّر ماثيوز من أنّ اتجاهات السوق قد تتغيّر قبل أن يصل المشروع إلى مرحلة الإنتاج الفعلي، ويقول: "إن ذهبت بشكلٍ آلي إلى جلسةٍ يقول فيها أحدهم إنّهم يبحثون عن أفلام الإثارة، ثم ركضت عائداً إلى المكتب لتطوّر ذلك، فقد يتغيّر الأمر قبل أن تنتهي منه". فايرو توافقه الرأي من زاويةٍ أخرى: الإنتاج يحمل مخاطر حقيقية تتعلّق باختيار الممثلين، والتمويل، وقرارات التكليف، ومتغيّرات أخرى لا يملك المنتج السيطرة الكاملة عليها، حتى لو كانت المادة قوية في الأساس.
هنا يبرز الدور الذي يراه ماثيوز لحجم Banijay نفسها: شبكة بهذا الاتساع قادرة على استيعاب جانباً من هذا الخطر، بينما تبقى كلّ علامة إنتاجية خفيفة الحركة وسريعة التكيّف. الدعم الذي تقدّمه المجموعة، كما يصفه، يتجسّد في التمويل، والتعريف بالفرص، وزمن كافٍ للتطوير، والوصول إلى زملاء في أقاليم أخرى. ويصف فلسفة هذا التوازن بقوله: "الفلسفة في تحقيق هذا التوازن هي أن يظلّ هؤلاء صغاراً، وريحٌ من خلفهم، ليصلوا إلى شيءٍ كبير".
ما الذي يبقى حين يضيق المجال؟
يعترف ماثيوز بصراحة بأنّ قطاع الأعمال الدرامية يتقلّص، وأنّ عمليات التكليف تزداد انتقائية. يقول: "هناك كمّ أقلّ بكثير من العمل المتاح للجميع". لكنّه لا يرى في هذا الضيق نهاية الطريق، بل تصفية طبيعية: الضغط قد يرفع سقف الجودة المطلوبة. ويلخّص موقفه بثقةٍ هادئة: "أؤمن حقّاً بأنّ الأعمال الجيّدة ستُصنع. الأعمال المُصنَّعة لتكون تجارية لن تُصنَع".
وهنا تكمن المفارقة التي يعود إليها ماثيوز مراراً: "لا تنطلق أبداً بنيّة صنع عملٍ تجاري"؛ فإن دخلت المكتب وقلت لزملائك "لنصنع عملاً تجارياً"، فلن يكون جيّداً، وبالتالي لن يكون تجارياً أصلاً. السرّ، كما يصفه، هو "تحقيق تلك النزاهة الإبداعية في العمل الذي تحاول صنعه" قرارٌ يتّخذه كتّاب ومنتجون مثل فايرو وأوليفيرا وبانغ كلّ يوم، في كلّ تفصيل. يقول ماثيوز عنهم: "هؤلاء يتّخذون هذه القرارات الإبداعية طوال اليوم، كلّ يوم". وربما هذا ما يفسّر، أكثر من أيّ استراتيجية مؤسسية، كيف تنجو حكاية من موجة التقليص: لأنّ من كتبها لم يكتبها بحسابٍ، بل لأنّه آمن بها أولاً.
أخبار ذات صلة

افتتاحية مبهرة لفيلم "Primetime" من إنتاج A24 بـ 192 مليون دولار تثبت قوة روبرت باتينسون في شباك التذاكر

دونالد داك وعم الفضاء: الملهم الحقيقي وراء الشخصية الكرتونية

الجزيرة المنسية : احتفاءٌ رسوم متحركة بالصداقة والثقافة الفلبينية
