أصغر فرهادي يكشف وجه أمريكا الحقيقية في السينما
في مهرجان ريو السينمائي، أصغر فرهادي ينتقد تصوير هوليوود لإيران ويكشف كيف تُصنع الصور النمطية عن الشعوب. يتحدث عن أمريكا الحقيقية، السياسة في السينما، وقيمة التعاطف الإنساني الذي يوحدنا رغم اختلاف الثقافات. وورلد برس عربي.

-في قاعة عرضٍ بمهرجان ريو السينمائي، طرح مُدير الجلسة على المخرج الإيراني أصغر فرهادي ملاحظةً وصف بها فيلم "Argo" بأنّه يُصوّر إيران "وكأنّك في الجحيم". لم يُجب فرهادي بدفاعٍ غاضب، بل بذكرى: يقول إنّه حين شاهد الفيلم عند صدوره، شعر أنّه مجرّد "شيءٍ هوليوودي" جملة قصيرة، لكنّها تختصر مسافةً كاملة بين صانع أفلامٍ إيراني وصناعةٍ تصنع صورة بلاده من بعيد.
فرهادي، الحائز جائزة الأوسكار مرّتين، كان في ريو ديجانيرو هذا الأسبوع لتقديم فيلمه الجديد "Parallel Tales"، ضمن فعاليات مهرجانٍ يمتدّ من 1 إلى 11 أكتوبر. لكنّ الحوار الذي دار هناك تجاوز الفيلم نفسه ليفتح ملفّاً أوسع: كيف تنظر هوليوود إلى الشعوب الأخرى، وكيف يصنع الإعلام تصوّراتٍ جاهزة عن أماكن لم يزرها أغلب من يشاهدها على الشاشة.
من ينظر إلى من؟
"Argo"، من إخراج Ben Affleck، مبنيٌّ بشكلٍ فضفاض على قصّةٍ حقيقية، ويؤدّي فيه Affleck دور خبير تهريبٍ من أصلٍ لاتيني يتنكّر في هيئة منتج هوليوودي لإنقاذ ستة أمريكيين محتجزين في طهران خلال أزمة الرهائن الأمريكية في إيران. الفيلم فاز بجائزة أفضل فيلم في الأوسكار، بعد عامٍ واحد فقط من فوز فيلم فرهادي "A Separation" بجائزة أفضل فيلمٍ دولي في الحفل ذاته توقيتٌ لم يفته فرهادي.
قال فرهادي: "المشكلة في هذا النوع من الأفلام في هوليوود، وعند بعض الناس في الولايات المتحدة، أنّهم ينظرون إلى العالم من أعلى إلى أسفل". ثم أضاف سؤالاً يحمل نبرة تحدٍّ هادئ: "يوماً ما يجب أن تسألهم: لماذا تشعرون أنّكم في الأعلى ونحن في الأسفل؟ لا أفهم من أين لهم هذه الأنا التي تجعلهم يظنّون أنفسهم في الأعلى".
ولم يتوقّف عند هذا الحدّ، بل تطرّق إلى فكرة الديمقراطية التي تُقدَّم كصفةٍ أمريكية خالصة، قائلاً: "لديهم ديمقراطية... لا، ليست لديكم ديمقراطية. إنّها كذبة".
أمريكا الحقيقية التي لا يراها أحد
قبل سنواتٍ قليلة، أمضى فرهادي وقتاً في الولايات المتحدة للعمل على مشروعٍ سينمائي، وفي إطار بحثه سافر إلى سان فرانسيسكو حيث التقى بسجناء بينهم رجالٌ من أصولٍ أفريقية وآخرون قادمون من بلدانٍ مختلفة. تلك التجربة تركت أثراً لم يغادره: "التقيت في السجن بأشخاصٍ سود، وبعضهم من بلدانٍ أخرى، وهناك كانت أمريكا الحقيقية. لكنّ الناس في العالم لا يرون هذا الجزء من الولايات المتحدة".
من هذه الملاحظة، بنى فرهادي نقداً أوسع لفكرة أن يُطلب من الشعوب الأخرى أن تصبح نسخةً عن الأمريكيين: "لديّ هذه المشكلة حين يشعرون أنّهم في الأعلى ويفكّرون: يجب أن يصبح الآخرون مثلنا... يوماً ما ستصبحون مثلنا".
وامتدّ نقده إلى نوعٍ بعينه من الأفلام التي اعتبرها غير عميقة، وصنعت أساساً كمنتجٍ تجاري: "يصنعون هذه الأفلام من أجل المال، إنّها صناعة. وفي هذه الأفلام دائماً هناك رجلٌ أبيض من الولايات المتحدة ينقذ الآخرين. سؤالي هو: لماذا؟ لماذا يذهب أمريكي إلى كوبا أو إيران لإنقاذ الناس؟ الناس يفهمون أنّهم قادرون على إنقاذ أنفسهم. من طلب منكم أن تأتوا لإنقاذنا؟"
السياسة من الباب الخلفي
رغم حدّة هذا النقد السياسي، يتعامل فرهادي مع السياسة في أفلامه بحذرٍ مختلف تماماً. يقول: "حين تتحدّث عن المجتمع، فأنت تتحدّث عن السياسة". لكنّه يفضّل أن تصل هذه السياسة إلى الشاشة من الباب الخلفي، لا من بابها الأمامي: "حتى حين تتحدّث عن الحياة العائلية، عن علاقاتهم وصعوباتهم ومشكلاتهم، فأنت بشكلٍ غير مباشر تتحدّث عن السياسة. في أفلامي، أحاول دائماً ألّا أتحدّث عن السياسة مباشرة، لأنّ ذلك، في نظري، بعيدٌ قليلاً عن السينما. السينما التي أؤمن بها هي تلك التي تمنح الجمهور مساحةً ليكتشف أشياءً عن نفسه".
وحين يبحث عن مثالٍ لهذا النوع من السينما السياسية غير المباشرة، يستحضر فرهادي اسم المخرج الإيراني الراحل عباس كيارستمي وفيلمه الوثائقي "همشهري" (المواطن المشارك) من عام 1983، الذي يتتبّع سائقي سيارات في شوارع طهران. يصفه فرهادي بأنّه "أكثر فيلمٍ سياسي" أُنتج في إيران، موضحاً: "صنع فيلماً وثائقياً عن سائقي سيارات في طهران، لكن حين ترى الناس، وطريقة تحدّثهم مع الشرطة، تجد أنّ الطبقات سياسية جداً".
الحب نفسه في البرازيل وطهران
في قلب حديث فرهادي عن السينما، تكمن فكرةٌ عن التعاطف يعود إليها مراراً: الإعلام والسينما، كما يقول، "لا يمنحانك صورةً كاملة عن حياة الناس العادية". لكنّ ما يوحّد البشر، في رأيه، أعمق من أي تمثيلٍ إعلامي: "الأمر المتعلّق بالتعاطف هو أنّ الناس، في كلّ مكانٍ في العالم، متشابهون. السينما تقوم على الكره والحب. وحين يتعلّق الأمر بالكره والحب، فكلّ مكانٍ متشابه. حبّ الأمّ لطفلها في البرازيل، وفي طهران، هو نفسه. طريقة التعبير عنه تختلف، لكنّ الجوهر واحد".
ويصف فرهادي تجربته مع الأفلام البرازيلية بأنّها تمحو لديه الشعور بأنّه يشاهد قصّةً من مكانٍ آخر، قائلاً إنّه يراها "فيلماً عنّا" كبشر، لا عن "هم" في مكانٍ بعيد. ويرى أنّ السفر والمصافحة أكثر صدقاً من أي وسيلةٍ إعلامية في التعرّف على الآخر: "إن استطاع الناس يوماً أن يسافروا إلى بلدانٍ أخرى، وأن يتصافحوا، فتلك أفضل طريقةٍ لمعرفة الناس، لا عبر الإعلام. لا أعتقد أنّ الإعلام يمكن أن يمنحنا الصورة الكاملة".
هذا الهاجس بالضبط هو ما يربط فيلميه الأخيرين، "A Hero" و"Parallel Tales"، واللذين يصفهما فرهادي بأنّهما يتناولان كيف يرى الناس بعضهم بعضاً، وكيف يُرَون بدورهم تحت تأثيرٍ عميق لما يصفه بـ"كيف شكّلت وسائل التواصل الاجتماعي حياتنا". ويدعو إلى التعامل بحذرٍ مع كلّ ما يصل عبر الإعلام: "حين نرى شيئاً في الإعلام، يجب أن نكون حذرين"، مضيفاً أنّ المعلومات السائدة عن إيران غالباً ما تنبع من "معرفةٍ بسيطة جداً" بالحياة هناك، وأنّ الجمهور يصبح "جاهزاً لتقبّل" فكرة أنّ فئةً بعينها هي "العدو". ويختصر المشكلة بجملةٍ واحدة: "هذا ما يفعله الإعلام، لأنّ الإعلام الأكثر قوّة ينتمي إلى الأقوياء. هذه هي المشكلة".
أما عن فيلمه المقبل، فكشف فرهادي أنّه سيُصوَّر باللغة الفارسية، لغته الأمّ. وحين سُئل إن كان سيتناول الحرب الدائرة حالياً في إيران أو الصراع في فلسطين، جاء ردّه مقتضباً وحاسماً: "ليس بشكلٍ مباشر".
من واشنطن إلى باريس: ولادة ثانية لفيلم
القصّة الأكثر إثارةً في حديث فرهادي قد تكون قصّة "Parallel Tales" نفسه فيلمٌ وُلد مرّتين. كان من المفترض أصلاً أن يُصوَّر بالكامل في الولايات المتحدة، وأمضى فرهادي ثلاث سنواتٍ هناك في الكتابة والبحث واختيار الممثلين، بل أجرى اختبارات أداءٍ مع ممثلين أمريكيين، بينهم أسماءٌ كبيرة جدّاً. لكنّ شيئاً ما ظلّ ناقصاً: "بقيت هناك ثلاث سنواتٍ، أكتب وأبحث وأختار الممثلين. أجريت اختبارات أداء في الولايات المتحدة مع ممثلين أمريكيين، أسماء كبيرة جدّاً. لكن في كلّ يومٍ كنت أعود فيه إلى بيتي، كنت أقول لنفسي: لا أستطيع التواصل مع هذا. هناك خطأٌ ما. كانت مشكلةً كبيرة. في ليلةٍ واحدة، قرّرت أن أغيّر".
القرار، كما يصفه فرهادي، لم يكن سهلاً أبداً. غيّر موقع التصوير بالكامل من الولايات المتحدة إلى فرنسا، ونقل الإنتاج إلى خارج أمريكا، مبرّراً ذلك بأنّ "الحمض النووي لهذا الفيلم أوروبيٌّ أكثر منه أمريكي".
وبعد وصوله إلى فرنسا، أرسل فرهادي النص إلى ما وصفه بـ"أسماء مختارة" من الممثلين ليتفاجأ بأنّ الجميع وافقوا على الفور، في مفارقةٍ وصفها بأنّه كان "محظوظاً جداً" بها. الفيلم اليوم يضمّ في طاقمه ثلاثة من أبرز وجوه السينما الفرنسية: Isabelle Huppert وVirginie Efira وVincent Cassel. لكنّ فرهادي، حين يتحدّث عن فريقه، لا يُفرّق بين الأسماء الكبيرة والصغيرة: "كلّهم فريقي، عائلتي، ممثّليّ. لا يهمّ إن كان الاسم كبيراً أم لا. طريقة عملي واحدة، وهم يحبّون ذلك".
بين فيلمٍ بدأ في واشنطن وانتهى في باريس، وفيلمٍ مقبلٍ سيُروى بالفارسية دون أن يقترب مباشرةً من حربٍ قائمة أو صراعٍ مستمر، يبدو أصغر فرهادي عند هذه المحطّة أقرب إلى سينمائي يعيد رسم خريطته الخاصّة بعيداً عن خطوط التقسيم التي يراها في أفلامٍ أخرى خريطةٌ لا تسأل من أين أنت، بل كيف تشعر، وهذا، في النهاية، ما يتركه مفتوحاً لمن يشاهد عمله القادم.
أخبار ذات صلة

Tenzing: رحلةٌ استثنائية تصعد بالمشاهد إلى إيفرست مع أوّل رجلَين فتحا قمّتها — أحدهما شيربا أغفلته الذاكرة

بلومهاوس وأتوميك مونستر توقعان اتفاقية إنتاج أفلام قصيرة مع صانعة الرعب هيدي وونج

الذكاء الاصطناعي والحداد: 'Talk to Me When You Are Dead' يستكشف حدود الحياة الرقمية بعد الموت
