سحابة عملاقة فوق بركان المريخ تكشف سر الغيوم الفريدة
سحابة عملاقة تمتد فوق بركان أرسيا مونس على المريخ تظهر صباحاً في الربيع والصيف ثم تتبخر بسرعة. دراسة جديدة تكشف عن آلية فيزيائية نادرة لتشكّل الغيوم عبر التَّنَوُّي المتجانس لم تُرصد سابقاً في أي كوكب وتعيد فهمنا لطقس المريخ والعوالم الأخرى وورلد برس عربي

تتكوّن فوق بركانٍ منقرض على سطح المريخ سحابةٌ عملاقة، طولها يفوق 1,000 ميل (1,600 كيلومتر)، تظهر كل صباح تقريباً خلال فصلَي الربيع والصيف المريخيّين، ثم تتبخّر كاملةً خلال ساعاتٍ معدودة. هذا المشهد المتكرّر، الذي رصدته مركبة Mars Express الأوروبية لأول مرة عام 2018، ظلّ لغزاً أمام العلماء حتى نشرت مجلة Nature Geoscience، يوم الأربعاء 7 أكتوبر، دراسةً تكشف أنّ السحابة قد تتشكّل عبر آليةٍ فيزيائية لم تُرصد من قبل في أي غلافٍ جوي كوكبي: التَّنَوُّي المتجانس (homogeneous nucleation). النتيجة، إن تأكّدت، لا تُعيد فقط صياغة فهمنا لطقس المريخ، بل قد تحمل دلالاتٍ لفهم تشكّل الغيوم على كواكب أخرى في النظام الشمسي وما وراءه.
ما هي السحابة الممتدة فوق بركان أرسيا؟
تُعرف هذه الظاهرة علمياً باسم «سحابة أرسيا مونس الممتدة» (Arsia Mons Elongated Cloud - AMEC)، نسبةً إلى بركان أرسيا مونس الخامد الواقع في إقليم ثارسيس (Tharsis) جنوب خط الاستواء المريخي. يبلغ ارتفاع هذا البركان 12 ميلاً (20 كيلومتراً)، أي أكثر من ضعف ارتفاع قمة إفرست. ومنذ اكتشافها عام 2018، دأبت السحابة على الظهور كل صباح تقريباً طوال فصلَي الربيع والصيف المريخيّين، في امتدادٍ قد يصل إلى 1,100 ميل (1,800 كيلومتر) أي نحو جزء من اثني عشر جزءاً من محيط المريخ، وما يعادل تقريباً ضعف طول المملكة المتحدة، أو المسافة بين نيويورك وميامي.
تنتمي AMEC إلى فئة ما يُعرف بـالغيوم التضاريسية (orographic clouds)، وهي الغيوم التي تتشكّل حين تدفع الرياح بخار الماء فوق تضاريسَ مرتفعة. وتزيد الإشعاعات الشمسية المتزايدة في فصلَي الربيع والصيف من قوة الرياح السطحية على المريخ، ما يُغذّي الظاهرة يومياً. ولهذه الغيوم التضاريسية نظيرٌ أرضي معروف: سحابة «ليفانتر» (Levanter) التي تتشكّل أحياناً فوق صخرة جبل طارق جنوب أوروبا. لكن المقارنة بين الحالتين تتوقف عند هذا الحد، كما تُظهر الدراسة الجديدة.
لماذا عجزت النماذج التقليدية عن تفسيرها؟
اعتمد فريق البحث، بقيادة الباحث والعالِم الكوكبي Jorge Hernández-Bernal، على بياناتٍ جُمعت عبر Mars Express لبناء محاكاةٍ حاسوبية للظاهرة. لكن النماذج المبنية على مبادئ الأرصاد الجوية التقليدية فشلت مراراً في إعادة إنتاج AMEC. المشكلة، كما تبيّن لاحقاً، لم تكن في البيانات بل في الافتراض الأساسي حول كيفية تشكّل الغيوم.
على الأرض، تتشكّل الغيوم عبر ما يُعرف بالتَّنَوُّي غير المتجانس (heterogeneous nucleation)، حيث يتكاثف بخار الماء حول جسيماتٍ عالقة في الغلاف الجوي غبار، أملاح، حبوب لقاح، أو سخام. والمريخ لا ينقصه الغبار الجوي بالتأكيد، إذ تُعرف عواصفه الترابية العملاقة والخيوط اللامعة من ثاني أكسيد الكربون التي تظهر أحياناً في غلافه الجوي شبه الخالي تقريباً من بخار الماء. لكن تبيّن أنّ هذا ليس ما يُفسّر AMEC. يقول Hernández-Bernal: «يبدو أنّ تشكّل هذه السحابة يحدث من دون الحاجة إلى أيٍّ من هذه (المواد) في الهواء».
البديل الذي اقترحته الدراسة هو التَّنَوُّي المتجانس: تحوّل بخار الماء مباشرةً إلى جسيماتٍ جليدية دقيقة من دون أي خطوةٍ وسيطة. يصفها الباحث بقوله: «يتحوّل بخار الماء مباشرةً إلى جسيماتٍ سحابية جليدية من دون أي مرحلةٍ وسيطة. الأمر أشبه بظهور قطرات التكاثف في منتصف الغرفة، بدلاً من ظهورها على نافذة». ويضيف: «إنه أمرٌ غير متوقَّعٍ إطلاقاً».
وهذه الآلية لم تُرصد من قبل في أي غلافٍ جوي كوكبي، رغم أنّ العلماء توقّعوا إمكانية حدوثها نظرياً في الغلاف الجوي العلوي للأرض أو في سماء كوكب الزهرة. وكانت تُعتبر مستبعدةً للغاية، إذ تتطلّب رطوبةً تعادل نحو 100,000 ضعف مستويات الرطوبة عند سطح الأرض. يصف Hernández-Bernal إدخال هذه الفيزياء إلى النموذج بقوله: «لإنتاج AMEC في نموذجنا، وجدنا أننا بحاجةٍ إلى تضمين بعض الفيزياء الغريبة... فيزياء موجودة في الكتب الدراسية، لكنها تُعامَل كفيزياء نظرية، ويُعتقد عادةً أنها لا تحدث في الطبيعة». ويضيف: «بمجرّد أن أدرجنا هذه الفيزياء في محاكاتنا، ظهرت AMEC تماماً كما كنا نأمل».
كيف تهبط الحرارة 30 درجة في عشر دقائق؟
تكشف المحاكاة عن الآلية الفيزيائية الكامنة وراء هذه الرطوبة الاستثنائية: حين ترتفع الرياح فوق بركان أرسيا مونس، تُولّد موجةً قوية تدفع الهواء صعوداً نحو الغلاف الجوي العلوي. وتُظهر المحاكاة أنّ درجة حرارة هذه الموجة يمكن أن تنخفض بمقدار يصل إلى 54 درجة فهرنهايت (30 درجة مئوية) خلال 10 دقائق فقط. هذا الانخفاض الحاد يُجمّد الماء ويرفع الرطوبة داخل الموجة ارتفاعاً هائلاً، وفق المحاكاة، ما يخلق الظروف النادرة اللازمة للتَّنَوُّي المتجانس.
أما مصدر الماء الذي يُغذّي السحابة، فقد يأتي جزئياً من بخار الماء العالق في الغلاف الجوي، وجزئياً آخر من طبقة الصقيع السميكة التي تغطّي قمة بركان أرسيا مونس. ويُقرّ Hernández-Bernal، الذي درس هذه السحابة على مدى السنوات الست الماضية، بأنّ النجاح في إعادة إنتاجها بهذه الدقّة يُعدّ إنجازاً للنموذج الحاسوبي نفسه، قائلاً: «لا نملك قدراً من المعلومات عن الغلاف الجوي للمريخ يوازي ما نعرفه عن غلاف الأرض الجوي، لذا فإنّ إعادة إنتاج AMEC إلى هذا الحد نجاحٌ كبير للنموذج».
وقد اعتمد الفريق في رصد التطوّر اليومي للسحابة على ثلاث أدوات محمولة على Mars Express: كاميرا المراقبة البصرية (Visual Monitoring Camera)، والكاميرا الاستريو عالية الدقة (High Resolution Stereo Camera)، وجهاز OMEGA. وتُعدّ Mars Express من المركبات القليلة القادرة على رصد بركان أرسيا مونس في ضوء النهار، ما جعلها أداةً محورية في متابعة الظاهرة منذ اكتشافها.
ماذا يعني هذا لفهمنا للمناخ خارج الأرض؟
يُعلّق Colin Wilson، عالِم مشروع Mars Express، على الدور الذي لعبته المركبة في هذا الاكتشاف قائلاً: «اكتشفت Mars Express سحابة AMEC، وتابعتها ورصدتها لسنوات، وهي الآن تساعد في كشف أسرار تشكّلها». ويضيف ما يلخّص الدلالة الأوسع للنتيجة: «في حين يبدو أنّ الغيوم على الأرض والمريخ تخضع لنفس (القواعد)، فإنّ فهم هذه السحابة المريخية الغريبة تطلّب فيزياءً غريبة وقد يصحّ هذا في أماكن أخرى من الكون».
هذه الإشارة الأخيرة هي ما يمنح الدراسة بُعدها الأهم: فإذا كان التَّنَوُّي المتجانس ممكناً في ظروفٍ كوكبية معيّنة على المريخ، فقد تكون آليات مشابهة فاعلةً في أغلفةٍ جوية أخرى داخل النظام الشمسي كما افترض العلماء سابقاً بخصوص الغلاف الجوي العلوي للأرض أو سماء كوكب الزهرة أو حتى في أغلفة كواكبَ خارج المجموعة الشمسية (exoplanets)، وهو ما يحمل دلالاتٍ محتملة لمسار البحث عن حياةٍ خارج كوكب الأرض.
أجرى الدراسة فريقٌ ضمّ Hernández-Bernal، المنتسب إلى جامعة الباسك (University of the Basque Country) في إسبانيا، إلى جانب الباحثين Määttänen وSpiga وForget من جامعة السوربون (Sorbonne University) في باريس. وتحمل الدراسة عنوان «Homogeneous ice nucleation from water vapour suggested by elongated clouds on Mars»، وهي متاحة عبر الرابط الرقمي للدراسة في Nature Geoscience.
يبقى أنّ المريخ، رغم غلافه الجوي شبه الخالي من بخار الماء وندرة غيومه «الرقيقة» الشبيهة بغيوم الأرض، أثبت مجدداً أنه مختبرٌ طبيعي يُفاجئ العلماء. فالظاهرة التي بدأت كصورةٍ غامضة التقطتها كاميرا مدارية عام 2018، تحوّلت اليوم إلى نافذةٍ محتملة على فيزياءَ كانت حتى الأمس القريب حبيسة الكتب الدراسية فقط، بانتظار أن يُعثر عليها في مكانٍ ما من الكون.
أخبار ذات صلة

الثقوب السوداء الضخمة تبتلع المادة وتطلق نفاثات راديوية بعد 300 يوم

الانفجار الغامض في سيبيريا 1908: ما السبب الحقيقي؟

الإمارات تكشف عن مسبار لمهمة طموحة لاستكشاف 7 كويكبات في 2028
