كشف ملامح رجل الأنديز وأصل الإنسان الأمريكي
علماء يعيدون بناء وجه رجل قديم من جبال الأنديز في الإكوادور ويكشفون عن أصوله الحقيقية كإنسان أصلي أمريكي، ما يغير مفاهيم قديمة حول تاريخ الإنسان في أمريكا ويعيد كتابة فصول من علم الأنثروبولوجيا عبر وورلد برس عربي.

أعاد فريقٌ دوليٌّ من علماء الأنثروبولوجيا الجنائية رسم ملامح رجلٍ عاش في المرتفعات الأندية بما يُعرف اليوم بالإكوادور قبل ثلاثة إلى أربعة آلاف عام، في عملٍ لا يقتصر أثره على إعادة بناء وجهٍ غاب منذ آلاف السنين، بل يعيد أيضاً كتابة فصلٍ من تاريخ الجدل العلمي حول أصل الإنسان في القارة الأمريكية. الوجه الذي ظهر أخيراً ينتمي، وفق الدراسة، إلى إنسانٍ حديثٍ ذي أصولٍ أمريكية أصلية خالصة وهي خلاصة تُسقط نظرياتٍ قديمة ظلّت متداولة لعقود.
الجمجمة المعروفة باسم «بونين-2» (Punin-2) عثر عليها مزارعٌ في سبعينيات القرن الماضي داخل واديٍ صخريٍّ قرب بلدة بونين في إقليم تشيمبورازو، وسط جبال الأنديز الإكوادورية. المكان نفسه كان قد شهد قبل ذلك بنحو خمسين عاماً، وتحديداً في 1923، اكتشافاً مشابهاً خلال بعثة تابعة للمتحف الأمريكي للتاريخ الطبيعي، حين عُثر على جمجمةٍ أخرى سُمّيت «بونين-1»، لا تزال محفوظة حتى اليوم في مقرّ المتحف بمدينة نيويورك.
كيف تحوّلت جمجمةٌ قديمة إلى لغزٍ عرقي؟
منذ اكتشاف «بونين-1»، لاحظ بعض الباحثين ملامح وصفوها بـ«البدائية»، خصوصاً بروز الحاجبين بشكلٍ لافت. هذه الملاحظة الشكلية وحدها كانت كافية آنذاك لإطلاق فرضياتٍ بعيدة المدى: ففي 1925 اقترح علماء أن الجمجمة دليلٌ على أصولٍ أوقيانوسية، عبر اتصالٍ مفترض بسكان أستراليا أو جزر المحيط الهادئ فرضية تستند إلى قراءة شكلية للجمجمة أكثر من استنادها إلى أدلةٍ وراثية أو أثرية متماسكة.
لم تتوقف الفرضيات عند هذا الحد. فطبقة الرواسب التي عُثر فيها على الجمجمتين كانت تُعتقد أقدم من ظهور الإنسان العاقل (Homo sapiens)، ما دفع بعض الباحثين إلى اقتراح أن العظام قد تعود إلى أقرباء منقرضين للإنسان، مثل الإنسان المنتصب (Homo erectus) أو إنسان نياندرتال (Neanderthals). بل إن بعض الفرضيات الأولى ذهبت إلى أن «بونين-2» قد يعود إلى العصر البليستوسيني، الممتد بين 2.6 مليون سنة و11,700 سنة مضت، بالاستناد إلى وجود حفرياتٍ لحيواناتٍ منقرضة من ذلك العصر كالماستودون وحيوانات الكسلان العملاقة في الوادي نفسه. الادعاء ذاته أُطلق سابقاً بشأن «بونين-1».
لكنّ هذه الفرضيات لم تصمد أمام مراجعاتٍ لاحقة. فقد فنّدت دراسة جيولوجية لاحقة الربط بين الجمجمتين وحفريات العصر البليستوسيني، موضحةً أن التعرية وحركة التربة هي ما تسبّب في اختلاط رفاتٍ بشرية أحدث عهداً بحفرياتٍ أقدم بكثير وهو تفسيرٌ جيولوجيٌّ بسيط أعاد المسألة إلى حجمها الحقيقي بعد عقودٍ من التأويلات الواسعة. وبحسب الدراسات الأنثروبولوجية والعظمية، عاش صاحب جمجمة «بونين-2» كصيادٍ وجامعٍ للغذاء في إقليم تشيمبورازو، وتوفي عن عمرٍ يُقدَّر بخمسين عاماً.
ماذا يقول الوجه المُعاد بناؤه؟
تولّى عملية إعادة البناء كريستوفر رين، أستاذ الأنثروبولوجيا الجنائية في جامعة دندي الاسكتلندية، بعد أن أتاح له زملاء إكوادوريون من جامعة تشيمبورازو الوصول إلى الجمجمة، وبدأ العمل عليها العام الماضي. واعتمد رين تقنيةً تُعرف بـ«طريقة مانشستر» (Manchester Method)، التي طُوّرت في جامعة مانشستر خلال سبعينيات القرن الماضي، ووصفها رين بأنها «تجمع بين تقنيات من مختلف أنحاء العالم». واعتمد في عمله على مزيجٍ من الأساليب الرقمية، وأجزاء من النمذجة بالشمع، إضافةً إلى قواعد بيانات لسماكة الأنسجة الرخوة المرتبطة ببنية الجمجمة.
النتيجة التي توصّل إليها رين كانت حاسمة: الرجل إنسانٌ أمريكي أصلي، تنحدر أصوله من مجموعاتٍ سكانية قديمة في شمال سيبيريا وشرق آسيا، هاجرت خلال العصر الجليدي الأخير. ويقول رين موضحاً التشابه والاختلاف في آنٍ واحد: «جمجمة بونين-2 تشبه جمجمةً شرق آسيوية من الأمام، لكنها لا تشبهها إطلاقاً من الجانب». وأضاف أن هذا التفاوت «يفسّر لي الكثير عن الطبيعة الأوسع للفروق في شكل الجمجمة والوجه بين الأمريكيين الأصليين وسكان شرق آسيا».
ولضمان حيادية إعادة البناء، تعمّد رين تقليص معرفته المسبقة بأصل الجمجمة، واعتمد أساساً على شكلها التشريحي. غير أن تفاصيل التسريحة لم تكن محفوظة مع الجمجمة، فاستعان بإرشاداتٍ من سكانٍ محليين حول تسريحة شعرٍ ترتبط بمجموعاتٍ قبلية بعينها في إقليم تشيمبورازو. ويقول رين: «التسريحة محدّدة جداً»، محذّراً: «إن أخطأنا فيها، سيبدو الوجه وكأنه ينتمي إلى قبيلةٍ مختلفة». وجاء الشعر في النسخة النهائية أسود اللون، مفروقاً من المنتصف. كما استفاد رين من ملاحظات السكان المحليين في تعديل عمق العينين، بعدما كانت النسخ الأولية تُظهرهما بارزتين أكثر من اللازم.
ماذا بعد الوجه؟
لم تكن هذه أول تجربة لرين في هذا المجال؛ فقد سبق له إعادة بناء وجه إنسانٍ من نياندرتال يعود إلى نحو خمسين ألف سنة، ضمن عمله في جامعة دندي، إضافةً إلى مئات الحالات الأخرى لإعادة بناء وجوهٍ من رفاتٍ بشرية قديمة. أما في مشروع «بونين-2»، فيعمل رين إلى جانب النحّات الإكوادوري هيكتور فلوريس فرانكو على إنجاز تمثالٍ نصفيٍّ فعلي يستخدم شعراً حقيقياً، ومن المقرر الانتهاء منه في 2027.
لكنّ الوجه، مهما بلغت دقّته، لا يحسم كل الأسئلة. يقول رين: «الحمض النووي هو ما سيكشف لنا سلسلة النسب الوراثي الحقيقية»، في إشارة إلى الخطوة التالية التي يسعى فريقه إلى تمويلها عبر حملة تمويلٍ جماعي، وتشمل إعادة بناء وجه «بونين-1» أيضاً، إلى جانب تحليل الحمض النووي القديم لكلتا الجمجمتين وهي الخطوة التي ستحوّل الاستنتاج الشكلي الحالي إلى يقينٍ وراثي.
وحين عُرض الوجه الرقمي على مجموعةٍ مختارة من سكان تشيمبورازو، يُرجَّح أنهم من أحفاد الرجل نفسه، وصف رين اللحظة بقوله: «إنه صورةٌ لجدّهم الحقيقي»، مضيفاً: «يبدو أنهم أعجبوا به!». هذه اللحظة تختصر ما تقدّمه إعادة البناء الوجهي من قيمةٍ تتجاوز الفضول العلمي: فهي تمنح شعوباً أصلية، طالما اختُزل تاريخها في عظامٍ وفرضياتٍ استعمارية عن «أصولٍ أوقيانوسية» أو «أسلافٍ منقرضين»، وجهاً ملموساً يُعيد ربطهم بسلالتهم الفعلية ريثما يحسم الحمض النووي ما بقي من الجدل.
أخبار ذات صلة

إطلاق SpaceX شحنة إلى محطة الفضاء الدولية الأحد

الثقوب السوداء الضخمة تبتلع المادة وتطلق نفاثات راديوية بعد 300 يوم

رواد الفضاء على القمر قد يصبحون "مكثفات كهربائية حية" تهدد المركبات
