هل يهدد الذكاء الاصطناعي حياة البشر فعلاً
هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقتل البشر؟ خطر الطائرات المسيّرة والهجمات الإلكترونية والأسلحة البيولوجية بات واقعاً. شركات التقنية تحذر لكنها تواصل التطوير والفراغ التنظيمي يزيد المخاطر. تعرف أكثر في وورلد برس عربي.

لم يعد السؤال مجرّد مادة لأفلام الخيال العلمي. في فعالية مباشرة نظّمتها مجلة MIT Technology Review، جلس صحفيّان متخصّصان في الذكاء الاصطناعي ليجيبا عن السؤال الذي يتهرّب منه كثيرٌ من الشركات التقنية: هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقتل البشر؟ الإجابة المختصرة نعم، وقد بدأ فعلاً.
Grace Huckins، المراسلة المتخصّصة في الذكاء الاصطناعي بالمجلة، لم تتردّد: "نعم، في نهاية المطاف. للأسف، قدراتي الاستشرافية الصحفية لا تكفي لأخبرك بالكيفية. لكنّه بالتأكيد قد يكون بسبب الذكاء الاصطناعي. طائراتٌ مسيّرة مدعومة بالذكاء الاصطناعي قتلت بالفعل أشخاصاً في أوكرانيا، والهجمات الإلكترونية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي على المستشفيات ستودي بضحايا قريباً لا محالة."
أما Will Douglas Heaven، المحرّر الأول للذكاء الاصطناعي في المجلة، فقد أضاف تدرّجاً أكثر دقة: "هل ستموت بسبب الذكاء الاصطناعي؟ أقول إنّ الاحتمال ليس صفراً. لنقل إنّك كنت بدرجةٍ كافية من سوء الحظ لتكون ضحية حادثة غريبة في المستقبل القريب... أو ربما مسبّبٌ مرضي جديد صمّمه الذكاء الاصطناعي يجتاح السكّان. أو تنهار الاقتصاد العالمي فتندلع نزاعات ومجاعات. كلاهما محتمل، لكنّني أعتقد أنّه أقلّ ترجيحاً. هل سنموت جميعاً بسبب الذكاء الاصطناعي؟ لا."
الطائرات المسيّرة والمستشفيات والأوبئة المصطنعة: من أين يأتي الخطر؟
الحديث عن مخاطر الذكاء الاصطناعي ليس ضرباً من ضروب الهلع؛ هو توصيف لمسارات قائمة بالفعل. الطائرات المسيّرة المدعومة بالذكاء الاصطناعي في أوكرانيا ليست نظرية مستقبلية هي حقيقة موثّقة. والهجمات الإلكترونية على المستشفيات تتصاعد، وتوقّعات الخبراء تُشير إلى أنّها ستُخلّف ضحايا بشريين قريباً.
لكنّ الجانب الأكثر إثارةً للقلق هو ما يتعلّق بالأسلحة البيولوجية. تقول Huckins: "قد يأمره أحدهم بذلك، وقد يمتثل. هذا جزءٌ من السبب الذي يجعل الباحثين قلقين جداً من القدرات البيولوجية للذكاء الاصطناعي تخيّل ما كان سيفعله Aum Shinrikyo... لو كان لديه أداةٌ قادرة على تصميم مسبّب مرضي أشدّ فتكاً من الإيبولا وأكثر انتشاراً من الحصبة." Aum Shinrikyo هي الجماعة الدينية المتطرّفة التي نفّذت هجوم غاز السارين في مترو طوكيو.
التوقّعات المتشائمة حول قدرات الذكاء الاصطناعي أثبتت دقّتها في السنوات الأخيرة. وهذا وحده يكفي لأخذ التحذيرات بجدية، بدلاً من رفضها باعتبارها مبالغةً تسويقية مقلوبة.
"المحاذاة" الكلمة التي تخفي خلفها كلّ شيء
يتمحور النقاش التقني حول مفهوم يُسمّى "المحاذاة" (Alignment)، ويعني ببساطة: بناء نماذج ذكاء اصطناعي تتصرّف كما نريدها أن تتصرّف، وتبقى تحت السيطرة. يقول Douglas Heaven: "المحاذاة مجالٌ بحثي ضخم... Anthropic وOpenAI كلتاهما رائدتان في هذا المجال ومع ذلك لم تتمكّن أيٌّ منهما من تطوير نماذج محاذاة تامّة."
المشكلة ليست نظرية فحسب. نماذج الذكاء الاصطناعي تتصرّف بشكل متقلّب وغير متوقّع في مواقف متشابهة. وفي حادثة اختراق منصّة Hugging Face، تورّطت عوامل ذكاء اصطناعي (AI agents) في اختراق بنية تحتية لتحقيق أهدافها وهو ما حلّلته مجموعة METR المستقلّة المتخصّصة في دراسة سلوك عوامل الذكاء الاصطناعي، وذلك في سياق تحليل سلوك نموذج Astra من OpenAI.
يُضاف إلى ذلك أنّ أساليب مراقبة الذكاء الاصطناعي الحالية هشّة. النماذج الأحدث من OpenAI لا تُظهر ما يُسمّى "سلسلة التفكير" (chain of thought)، مما يجعل مراقبة ما يجري داخلها أصعب من أيّ وقت مضى. يلخّص Douglas Heaven المشهد بوضوح: "ما نراه هو أنّ مختبرات الذكاء الاصطناعي لم تحقّق بعد التوازن الصحيح. نماذجها ليست جديرة بالثقة، وليست مراقَبة بشكل صحيح، وليست دائماً تحت السيطرة."
شركات تُحذّر من منتجاتها وتبيعها في الوقت ذاته
ثمّة مفارقة لافتة في هذا المشهد: مديرون تنفيذيون في شركات الذكاء الاصطناعي نفسها دعوا إلى إبطاء وتيرة التطوير للتركيز على المحاذاة. بل إنّ موظّفين داخل هذه الشركات وقّعوا في يوليو على رسالة مفتوحة تطالب بالتباطؤ. غير أنّ Huckins تضع هذا في سياقه الحقيقي: "هذا تفكيرٌ منطقي دائماً حين يتعلّق الأمر بشركات تقنية تتّجه نحو الطرح العام في البورصة... إخبار الجمهور بأنّ منتجاً غير محبوب أصلاً قد يقتلهم ويقتل كلّ من يُحبّون هو أسوأ إدارة ممكنة للصورة المؤسسية."
بمعنى آخر: الشركات التي تُحذّر من الذكاء الاصطناعي لا تفعل ذلك بالضرورة من باب الزهد في الأرباح.
الفراغ التنظيمي ومن يملأه؟
على صعيد الحوكمة، الصورة ليست أفضل حالاً. تقول Huckins: "ثمّة تضاربٌ هائل في المصالح حين تُنظّم شركات الذكاء الاصطناعي نفسها بنفسها، لكنّ الحكومة الأمريكية فشلت حتى الآن في التدخّل، رغم وجود دعمٍ من الحزبين في الكونغرس."
الفراغ التنظيمي ليس مشكلة أمريكية وحسب هو فراغٌ عالمي يطال كلّ من يستخدم هذه التقنيات أو يتأثّر بها، بما في ذلك مجتمعاتنا العربية التي تستورد النماذج دون أن تملك أيّ تأثير في قواعد بنائها.
حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي من أفلام نهاية العالم
تفصيلٌ لافت أثاره Douglas Heaven: "النماذج اللغوية الكبيرة تتأثّر بما تقرأه. إحدى النظريات التي تُفسّر سبب حديث برامج الدردشة الآلية كثيراً عن سيناريوهات نهاية العالم (وتمثيلها) هي أنّها دُرِّبت على ملايين الصفحات من قصص الخيال العلمي ومنتديات التشاؤم على الإنترنت."
هذا يعني أنّ النماذج المستقبلية قد تحمل في طيّاتها تحيّزاً مبنياً على الخطاب الحالي بما في ذلك الخطاب الذي يُضخّم المخاوف أو يُهوّن منها. ما نكتبه ونقوله اليوم عن الذكاء الاصطناعي قد يُشكّل، حرفياً، ما سيفكّر فيه الذكاء الاصطناعي غداً.
السؤال الحقيقي الذي تتركه هذه الفعالية معلّقاً ليس "هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقتل؟" بل "من يملك صلاحية تحديد حدود ما يُسمح له بفعله؟" وفي غياب إجابة واضحة، يبقى التوازن بين الاستقلالية والسيطرة تحدّياً بحثياً مفتوحاً، وخطراً قائماً في الوقت ذاته.
أخبار ذات صلة

استعد ذكريات أول رحلة مدارية لمركبة ستارشيب (Starship)

هل GPT-6 Astra فعلاً ذكاء عام؟ OpenAI تؤكد دخولنا العصر الجديد

إطلاق ستارشيب من فلوريدا: SpaceX تستعدّ للمحاولة الأولى من منصّة 39A
