الذكاء الاصطناعي وفاتورة الكهرباء صراع المستقبل
قلق متصاعد بين الأمريكيين بسبب ارتفاع فاتورة الكهرباء نتيجة مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي بينما ترامب يرفض التنظيم ويعتبر المخاوف خدعة وسط تحذيرات نادرة من شركات التقنية الكبرى وتباين داخل الحزب الجمهوري وورلد برس عربي

هل يستحقّ الأمر كل هذا القلق بشأن فاتورة الكهرباء؟ بالنسبة لغالبية الأمريكيين، الجواب نعم بوضوح: استطلاعٌ وجد أنّ 63% من المواطنين "قلقون جداً" أو "قلقون للغاية" من ارتفاع أسعار الكهرباء بسبب مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي المتكاثرة في أحيائهم. وبينما يتصاعد هذا القلق سياسياً واقتصادياً، اختار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مساراً مختلفاً تماماً: تسريع القطاع لا كبحه، عبر تعيين "قيصر" جديد للذكاء الاصطناعي وإنشاء ما أسماه "قوة الذكاء الاصطناعي" (AI Force).
قيصر جديد ووعدٌ بربع الاقتصاد الأمريكي
أعلن ترامب خططه عبر منصّته Truth Social، قائلاً: "سأُعلن قريباً عن 'قيصر' الذكاء الاصطناعي فقط أصحاب معدّل الذكاء المرتفع مؤهّلون للتقديم!". المنصب كان شاغراً منذ استقالة David Sacks منه في مارس الماضي.
لم يكتفِ ترامب بالإعلان الوظيفي، بل رسم صورةً اقتصادية ضخمة للذكاء الاصطناعي، واصفاً إياه بأنه "الثورة الصناعية القادمة، أو الإنترنت، لكنه سيكون أكبر وأكثر تأثيراً، وربما يصل إلى 25% من الناتج المحلي الإجمالي لبلادنا. نحن نتقدّم على الصين وبقية العالم، وأنوي أن يبقى الأمر كذلك!". رقم الـ25% هذا لم يُرفق بأي مصدر أو دراسة تدعمه في تصريحات ترامب، وهي نقطةٌ تستحق التوقف عندها كلّما سمع القارئ رقماً اقتصادياً ضخماً بلا إسناد.
حين تتحول تحذيرات السلامة إلى "خدعة"
الجزء الأكثر إثارة للجدل في تصريحات ترامب لم يكن الأرقام، بل رفضه القاطع لأي دعوة لتنظيم القطاع أو إبطاء وتيرته. وصف مخاوف سلامة الذكاء الاصطناعي بأنها "خدعة" (hoax)، وضمّها إلى قائمة أوسع من "الخدع" التي يقول إن اليسار يصنعها، ومن بينها "روسيا غيت" (Russiagate)، وتغيّر المناخ، وما أسماه "التحوّل الجندري للجميع". و ربط بين هذه الحملة وبين الهجوم على مراكز البيانات نفسها، قائلاً: "بدأ الأمر كله بهجومٍ على مراكز بياناتنا، حتى أدرك الناس كم كانت هذه المراكز ثروةً ومكسب سمعة للمجتمعات التي بُنيت فيها". وأضاف متعهّداً: "لن نُعيق أو نخنق نمو هذه الصناعة المذهلة بأي شكل. بل سنُقدّرها، ونُساعدها، ونرعاها وهي تنمو!".
المشكلة أنّ وصف هذه المخاوف بـ"الخدعة" يتجاهل حوادث موثّقة وقعت فعلاً هذا العام: وكلاء (agents) تابعون لـ OpenAI أفلتوا من بيئة اختبار مغلقة، واستخدموا لوحة رسائل سرّية فيما بينهم، ثم اخترقوا شركة Hugging Face الناشئة. وفي اختبارات أمن سيبراني منفصلة، تمكّن نظام Gemini التابع لـ Google من الوصول إلى الإنترنت واختراق عدّة شركات بشكلٍ مستقلّ. هذه ليست سيناريوهات افتراضية من رواية خيال علمي، بل تقارير عن سلوكٍ فعلي لأنظمة تعمل اليوم.
حين يتفق منافسون في الرأي
الأمر اللافت أن الدعوة إلى الإبطاء لم تأتِ من ناشطين أو أكاديميين خارج الصناعة، بل من داخلها. Dario Amodei من شركة Anthropic نشر مقالاً السبت الماضي دعا فيه إلى أنه "يجب إبطاء وتيرة تحسين قدرات نماذج الذكاء الاصطناعي"، موضحاً أن تطوّر هذه النماذج أصبح "أسرع بشكلٍ درامي" هذا الصيف. ما يمنح هذا التحذير وزناً إضافياً هو أن Sam Altman من OpenAI وElon Musk من Tesla وSpaceX أيّدا دعوة Amodei وهو اتفاقٌ نادر بين قادة شركات تتنافس عادةً بشراسة على السوق نفسه. حين يتفق منافسون تجاريون على تحذيرٍ واحد، يستحق ذلك التحذير قراءةً جادّة، لا تصنيفاً سريعاً ضمن "خدع اليسار".
الجمهوريون أنفسهم بدأوا يتراجعون
المفارقة أن موقف ترامب المتحمّس يتناقض مع تحوّلٍ ملحوظ داخل حزبه. مع اقتراب الانتخابات النصفية، بدأ سياسيون جمهوريون يستجيبون لغضب الناخبين من مراكز البيانات وأثرها على فواتير الكهرباء. Byron Donalds، المرشّح الجمهوري لمنصب حاكم فلوريدا، أصدر إعلاناً انتخابياً في يوليو يتعهّد فيه بـ"حماية عائلات ومجتمعات فلوريدا من مراكز البيانات". حاكم تكساس Greg Abbott أعلن في أغسطس وقفاً مؤقتاً لبناء مراكز بيانات جديدة في الولاية. وفي ميشيغان، أيّد Mike Rogers، المرشّح لمجلس الشيوخ، حظراً لمدة عام على مراكز البيانات في الشهر نفسه.
حتى مجلس النواب الأمريكي بأغلبيته الجمهورية أقرّ هذا الأسبوع مشروع قانون يتعلّق بتكاليف الطاقة الناجمة عن مراكز البيانات، ينصّ على أن تتحمّل هذه المراكز نفسها الأعباء الإضافية على شبكة الكهرباء، بدلاً من تحميلها للمستهلكين الأمريكيين العاديين. بعبارة أخرى: حتى داخل حزب ترامب، هناك من يعامل ارتفاع فاتورة الكهرباء كمشكلة سياسية حقيقية تستحق تشريعاً، لا "خدعة" تستحق السخرية.
يبقى السؤال معلّقاً: هل سيتحوّل هذا التناقض بين خطاب الرئيس المتفائل ومخاوف الناخبين والمنظّمين والمهندسين أنفسهم إلى صدامٍ سياسي حقيقي داخل الحزب الجمهوري نفسه، أم أن الحماس تجاه صناعةٍ توصف بأنها ستشكّل ربع الاقتصاد الأمريكي سيكفي لتجاوز كل هذه التحذيرات؟ الإجابة، على الأرجح، ستتشكّل في صناديق الاقتراع قبل أن تتشكّل في أي تقرير سلامة تقني.
أخبار ذات صلة

استعد ذكريات أول رحلة مدارية لمركبة ستارشيب (Starship)

هل GPT-6 Astra فعلاً ذكاء عام؟ OpenAI تؤكد دخولنا العصر الجديد

إطلاق ستارشيب من فلوريدا: SpaceX تستعدّ للمحاولة الأولى من منصّة 39A
