نموذج ذكاء اصطناعي يكشف سر تراجع مبيعاتك
شركة Mirror Particle في سان فرانسيسكو تطور نموذج ذكاء اصطناعي يتابع سلوك المستهلك الحقيقي ويشرح أسبابه بدل الاعتماد على نماذج اللغة الكبيرة. اكتشف كيف يمكن لهذا النموذج تغيير استراتيجيات التسويق والمنتجات في وورلد برس عربي.

هل تستطيع نماذج الذكاء الاصطناعي المدرّبة على ملايين النصوص أن تُخبر شركة ما بسبب تراجع مبيعاتها الفعلي؟ هذا السؤال، الذي تطرحه أقسام التسويق منذ سنوات، هو بالضبط ما تحاول شركة ناشئة في سان فرانسيسكو الإجابة عنه بطريقة مختلفة عن السائد — عبر بناء نموذج من الصفر بدل الاعتماد على نماذج اللغة الكبيرة (LLMs) التي باتت الخيار الافتراضي في هذا المجال.
الشركة اسمها Mirror Particle، عمرها سنتان فقط، وتقدّم لعملائها من العلامات التجارية محرّكاً يتنبأ بسلوك المستهلك ويشرح أسبابه — لا أن يكتفي بتوقّع الرقم النهائي. الفرق بين الوعدين كبير، وهو ما يستحق التوقّف عنده قبل الحديث عن التمويل والمنافسة المرتقبة.
لماذا تعتبر الشركة نماذج اللغة الكبيرة أداة خاطئة هنا؟
يقول Abhivyakti Ahuja، المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي لـ Mirror Particle، إن استخدام نماذج اللغة الكبيرة لمحاكاة فئة ديموغرافية معيّنة عبر التوجيه (Prompting) أو الضبط الدقيق (Fine-tuning) أشبه بمحاولة عبثية: «الأمر أشبه بإحضار مسدس ماء إلى شلالات نياغارا». حجّته تتلخّص في أن هذه النماذج دُرِّبت أصلاً على مئات المليارات من نقاط البيانات النصية، فكيف يمكن لكمية صغيرة من بيانات عميل واحد أن تُحدث فرقاً فعلياً؟ وفق تعبيره: «لقد دُرِّبت نماذج اللغة الكبيرة على مئات المليارات من نقاط البيانات. فإلى أي مدى يمكن أن تؤثر في سلوكها عبر الضبط الدقيق بكمية صغيرة كهذه من البيانات؟ إنها لا تزال عالقة في الماضي».
المشكلة الأعمق، بحسب Ahuja، أن هذه النماذج تُحاكي اللغة المكتوبة فقط، بينما الإنسان كائن أعقد من ذلك بكثير: «نماذج اللغة الكبيرة تُحاكي اللغة المكتوبة، لكنّ البشر مكوَّنون من الإدراك البصري، والاستدلال المكاني، والذكاء الاجتماعي». بعبارة أخرى، ما يكتبه الناس في استبيان أو منشور لا يعكس بالضرورة ما يفعلونه فعلياً في متجر أو أمام رف المنتجات.
كيف يعمل النموذج البديل؟
بدل نص الإجابات المكتوبة، يعتمد نموذج Mirror Particle على بيانات مملوكة تجمع بين بيانات عملاء العلامة التجارية نفسها، والأحداث الجارية، والثقافة الشعبية، ومنصات التواصل الاجتماعي، ومدخلات أخرى متعددة. الهدف ليس التقاط صورة ثابتة للمستهلك، بل تتبّع كيفية تغيّره عبر الزمن. يقول Ahuja: «نحن لا نريد رصد الشخص الساكن، نريد رصد الشخص المتغيّر. وهذا يعني جمع بيانات طولية حول كيفية تغيّر الناس، وما الذي يُحفّز هذا التغيّر، وإلى أي درجة». وحتى غياب التغيير، بحسب الشركة، يُعدّ معطى ذا دلالة: «وهذا أيضاً إشارة دالّة».
عملياً، يتتبّع النموذج شرائح ديموغرافية مختلفة، ودوافعها المتغيّرة، وتجاربها، وسلوكها الفعلي الظاهر — لا إجاباتها عن استبيانات ذاتية التقرير فقط. أسواق الانطلاق الأولى للشركة هي أبحاث السوق واستراتيجية العلامة التجارية واستراتيجية المنتجات، أي القطاعات التي تملك ميزانيات جاهزة أصلاً لهذا النوع من الرؤى.
مثال عملي قدّمته الشركة: تجربة تجريبية (Pilot) مع علامة لأغذية الحيوانات الأليفة، فحصت صور التغليف التي تُظهر الدجاج أو اللحم البقري أو الخضروات. خلُصت نتائج Mirror Particle إلى أن الصورة الأكثر شيوعاً على العلبة كانت تُرسّخ في ذهن المستهلك انطباعاً بأن المنتج موجّه للسوق الواسعة وبسعر رخيص — وهو موقع تسويقي قد لا تريده العلامة أصلاً. وحذّرت الشركة من أن مبيعات العلامة ستصل إلى سقف ثابت ما لم تُعالج هذا الانطباع.
مثال آخر يضربه Ahuja في مجال مستحضرات التجميل: يمكن لعلامة تجارية أن تستخدم النموذج لتقييم مدى اهتمام جيل Z بمنتج معيّن، لا فقط لتحسين إعلاناتها. ويتساءل: «ماذا لو كانت الفئة المستهدفة لا ترغب أصلاً في علب ظلال العيون؟»، مضيفاً: «ربما يكون أحمر الخدود خياراً أفضل إذا أردتَ بيع منتج لهذه السوق».
من وراء الفكرة؟
درس Ahuja، وهو من أصل هندي، علوم الأعصاب وعلوم الحاسوب في جامعة تورنتو، وتأثّر بإسهامات Geoffrey Hinton في الشبكات العصبية. بعد تخرّجه، عمل في Amazon Robotics على بناء روبوتات تصنع روبوتات أخرى، وهناك التقى شريكَيه المؤسسَين Will Song و Thomson Yen. يملك Song خبرة في بناء محرّكات تخصيص المبيعات (Sales personalization)، بينما ركّز Yen على التعلّم العميق لدراسة كيفية فهم عملاء الذكاء الاصطناعي للسلوك البشري.
يصف Ahuja طموح الشركة طويل الأمد بأنه بناء طبقة عامة للتنبؤ بالسلوك البشري، من مستوى السكان إلى مستوى الأفراد، ويشبّه تطوّر النموذج بنمو الإنسان نفسه: «الطريقة التي نرى بها تطوّر نموذجنا تشبه الطريقة التي يتعلّم بها الرضيع عن العالم» — إذ يتعلّم الرضيع أولاً عبر الرؤية، ثم اللغة، ثم الوعي الجسدي، ثم الذكاء الاجتماعي. ويختصر فلسفة الشركة بقوله: «نحن ببساطة بحاجة إلى نموذج أفضل للبشر إذا كنا سنعمل جنباً إلى جنب مع الذكاء الاصطناعي ومع بعضنا بعضاً».
سباق التمويل وسط منافسين يصفون أنفسهم بالشيء نفسه
لم تُفصح Mirror Particle عن قيمة جولة تمويلها الملائكية (Angel round)، لكنها تقول إنها قريبة من إغلاق جولتها الاستثمارية الأولى. هذا التحفّظ على الأرقام يستحق لفت الانتباه إليه، خصوصاً حين نقارنه بما جمعه منافسوها خلال العام الماضي فقط: شركة Simile جمعت 200 مليون دولار بتقييم بلغ 2 مليار دولار، وشركة Aaru جمعت 88 مليون دولار بتقييم مليار دولار. أما Humans& فأعلنت في يناير عن جولة تمويل أوّلي (Seed) بقيمة 480 مليون دولار وتقييم 4.48 مليار دولار، وأطلقت منتجها «Persimmon» لمحاكاة السلوك البشري (يمكن الاطلاع على تفاصيله في مدونة المنتج).
هذه الأرقام الضخمة تطرح سؤالاً مشروعاً لأي قارئ حذر: هل نحن أمام ثورة فعلية في فهم السلوك البشري، أم أمام سباق تسويقي آخر تتنافس فيه الشركات الناشئة على استخدام العبارات نفسها — «نمذجة البشر»، «السلوك المتغيّر»، «الطبقة العامة للتنبؤ» — دون أن يملك أحد بعد دليلاً قاطعاً على أن نموذجاً واحداً أفضل من غيره فعلياً؟ الفرق بين الوعد والنتيجة هنا لا يزال بحاجة إلى اختبار مستقل، لا إلى تصريحات المؤسسين وحدها.
كما يستحق التوقّف أيضاً عند طبيعة البيانات التي يعتمد عليها هذا النموذج: مزيج من بيانات عملاء الشركات الزبونة، وأحداث جارية، ومحتوى من وسائل التواصل الاجتماعي. أي علامة تجارية تتعاقد مع Mirror Particle تُسلّم فعلياً بيانات زبائنها لتغذية نموذج خاص بشركة أخرى — وهذا تفصيل يستحق أن يسأل عنه أي مسؤول تسويق قبل التوقيع، بصرف النظر عن مدى إغراء الوعد بـ«فهم أعمق للمستهلك».
المحطة المقبلة: اختبار علني أمام حكّام من وادي السيليكون
تدخل Mirror Particle الأسبوع المقبل منافسة Startup Battlefield 200 ضمن فعالية TechCrunch Disrupt 2026 المقرّرة في سان فرانسيسكو بين 13 و 15 أكتوبر. سيختار قضاة من صناديق رأس المال الاستثماري الفائز يوم الخميس 15 أكتوبر بعد الظهر، بعد أن يكون فريق TechCrunch التحريري قد دقّق في الشركات المشاركة مسبقاً.
المنافسة ستمنح الشركة ظهوراً علنياً أمام مستثمرين ومراقبين في وقت تتزاحم فيه شركات عدة على الادّعاء بامتلاك «النموذج الأفضل للإنسان». لكن الإجابة الحاسمة عن جدوى هذا النهج لن تأتي من منصة مؤتمر، بل من نتائج تجريبية مستقلة يمكن التحقق منها لاحقاً — وهو ما لم يُقدَّم بعد سوى في تجربة واحدة محدودة مع علامة أغذية حيوانات أليفة. من يتابع الملف سيحتاج إلى الانتظار لمعرفة ما إذا كان هذا النموذج سيتجاوز مرحلة العرض التقديمي إلى تطبيق فعلي يغيّر قرارات العلامات التجارية على أرض الواقع.
أخبار ذات صلة

من المسؤول حين يخرج وكيل ذكاء اصطناعي عن السيطرة؟

الذكاء الاصطناعي يخفّض ميزانيات الأفلام بنسبة 40%: مخرج «The Outlaws» يحذّر من فقدان اللمسة الإنسانية

العلماء يطورون ميكروباً لمساعدة الإنسان على استيطان المريخ
