فشل الذكاء الاصطناعي في حل لغز رياضي معقد ودرس بشري جديد
فشل نموذج الذكاء الاصطناعي Claude في إثبات فرضية ريمان لكنه قدّم نتيجة جزئية أثارت اهتمام علماء الرياضيات الذين صحّحوا المسار وأضافوا أفكاراً جديدة تعزز فهم المسألة. قصة تبرز الفجوة بين إنتاج الآلة وفهم الإنسان في العلوم الدقيقة وورلد برس عربي.

فشل نموذج الذكاء الاصطناعي Claude في إثبات واحدة من أعقد المسائل الرياضية في التاريخ، لكنّ ما خلّفه وراءه كان أكثر إثارة من الفشل نفسه: نتيجة جزئية احتاجت إلى عالم رياضيات بشري ليتحقّق منها، ويصحّح مسارها، ثم يمضي بها إلى ما هو أبعد ممّا توقّعته الآلة. القصة ليست عن ذكاء اصطناعي يحلّ لغزاً يستعصي على البشر، بل عن الفجوة الدقيقة بين إنتاج نتيجة وفهم معناها وهي فجوة يراها كثيرٌ من الباحثين اليوم جوهر النقاش حول دور الذكاء الاصطناعي في العلوم الدقيقة.
ما الذي راهن عليه Claude؟
فرضية ريمان، التي طرحها عالم الرياضيات الألماني برنارد ريمان عام 1859، تتعلّق بتوزيع الأعداد الأولية تلك الأعداد التي لا تقبل القسمة إلا على الواحد وعلى نفسها. يبدو تباعد هذه الأعداد على خطّ الأعداد عشوائياً تماماً، لكنّ ريمان حدّد ما يُعرف بدالّة زيتا الخاصة به بوصفها المفتاح الذي قد يفسّر هذا التباعد الظاهر العشوائية. وتقترح الفرضية أنّ جميع أصفار هذه الدالّة، باستثناء ما يُعرف بالأصفار البديهية، تقع على خطٍّ رأسي واحد يُسمّى «الخط الحرج». إثبات هذه الفرضية، أو دحضها، لا يحمل قيمةً نظريةً فحسب؛ فله تداعيات مباشرة على الرياضيات وعلى علم التشفير (Cryptography)، ما يجعلها واحدةً من مسائل الألفية السبع التي طرحها معهد كلاي للرياضيات (Clay Mathematics Institute) عام 2000، تشجيعاً لابتكار أساليب وفهمٍ جديد، لا مجرّد حلول بالقوة الحسابية.
في أواخر يوليو، دفع جاريد سمنر (Jarred Sumner)، أحد مشغّلي شركة Anthropic البشريين، نموذج Claude بنسخةٍ لم تُطرح بعد للعامة إلى محاولة إثبات الفرضية أو دحضها. جرّب النموذج أكثر من 600 مسار هجوم مختلف. وفي بداية الجلسة التالية في أغسطس، حين شجّعه سمنر بعبارة «خذ قفزة إيمان كبيرة بقدراتك»، أجاب Claude بوضوحٍ لافت: «هذه ليست مشكلة ثقة يمكنني حلّها بأن أؤمن بنفسي أكثر». النتيجة النهائية لم تكن إثباتاً ولا دحضاً للفرضية، بل نتيجة جزئية حول الحدّ الأدنى لنسبة الأصفار الواقعة على الخط الحرج: 67.25%، مقارنةً بما كان معروفاً منذ عام 1989 من أنّ 40% على الأقل من الأصفار تقع على هذا الخط. نشرت Anthropic هذه النتيجة في ورقة بحثية أولية (Preprint) مرفقة بتدوينة في 10 أغسطس.
لكنّ نسبة 67.25%، مهما بدت مرتفعة، لا تُثبت فرضية ريمان؛ فالفرضية تتطلّب يقيناً مطلقاً بلا أي استثناء، بينما تترك هذه النسبة احتمال وجود أصفارٍ خارجة عن القاعدة.
حين يتحقّق الإنسان ممّا أنتجته الآلة
هنا يدخل يونس لمزوري، عالم الرياضيات في جامعة اللورين الفرنسية، إلى قلب القصة. بعد اطّلاعه على الأوراق البحثية التي استندت إليها Anthropic، طوّر لمزوري برهاناً أبسط يؤكّد نتيجة الـ67.25% نفسها، لكن بمقاربةٍ مختلفة تماماً، أضافت قيداً إضافياً لتجاوز تعقيدات رياضية معيّنة. وأسفرت مقاربته عن نتيجة جديدة لم ترد في عمل Claude: أنّ 11% كحدّ أقصى من الأصفار ليست بسيطة ولا واقعة على الخط الحرج.
لم يكن الطريق سهلاً؛ يصف لمزوري محاولته الأولى لفهم برهان Claude بالقول: «بعد ساعتين، استسلمت»، مضيفاً: «كان هناك شيءٌ ما في البرهان، لكنه كان معقّداً أكثر من اللازم لم يكن بشرياً». ويشبّه لمزوري الفارق بين عمل الآلة وعمل الإنسان بموقعٍ أثري: «الأمر أشبه بموقعٍ أثري تُحضر إليه آلاتٍ ضخمة فتستخرج كنزاً، لأنّ هذا ما نريده: القطعة الأثرية. لكنّ البشر عادةً يفعلون ذلك بحذرٍ شديد، لأنّهم يريدون فهم كيف انتهى الأمر بدفن هذه القطعة في مكانها وهذا ما حدث بيني وبين Claude». ويختصر فلسفته في التعامل مع المسائل المستعصية بقوله: «حين تجد جبلاً ضخماً، مثل فرضية ريمان، ولا تستطيع إثباته، فإنك تكتفي بأهدافٍ أصغر».
جيمس ماينارد، أستاذ الرياضيات في جامعة أكسفورد والفائز المشارك بميدالية فيلدز عام 2022 التي تُوصف بأنها معادل جائزة نوبل في الرياضيات لم يشارك في أيٍّ من الدراستين، لكنه قيّم الأمر بقوله: «الشيء الذي أشعر تجاهه بإيجابيةٍ كبيرة هو أنّ هناك أفكاراً جديدة في برهان Claude تتفاعل بشكلٍ مباشر أكثر مع المسألة». وأضاف أنّ إعادة صياغة لمزوري للمسألة «تعيد تأطير كل شيء بطريقةٍ أوضح مفاهيمياً للعاملين في هذا المجال»، معتبراً ما جرى «مثالاً إيجابياً على إحدى الطرق التي يمكن أن تتقدّم بها الأمور مستقبلاً في ظل الذكاء الاصطناعي».
سيناريو مختلف عن ضجيج OpenAI
ما حدث مع Claude يتناقض مع ما جرى قبل شهرٍ تقريباً، حين أصدرت شركة OpenAI، بضجيجٍ ومثارٍ للجدل، برهاناً على مسألة Navier-Stokes وهي أيضاً إحدى مسائل الألفية السبع، وتتعلّق بوجود الحلول واكتمالها أنتجه نحو 10,000 عميل ذكاء اصطناعي (AI Agents). وبينما كان علماء الرياضيات البشريون لا يزالون يقيّمون صحّة هذا البرهان ومدى إسهامه في الفهم العلمي، بدا أنّ العمل يقدّم القليل لمجتمع الرياضيات إن تعذّر على البشر فهمه أو الاستفادة منه.
هذا بالضبط ما يميّز حالة لمزوري: فالنتيجة لم تُستهلك كما هي، بل أعيد بناؤها وفهمها وتوسيع أفقها. يقول لمزوري: «الأمر الجيّد هو أنني بمجرد أن اكتشفت هذه الطريقة الجديدة في النظر إلى الأشياء والتي استُلهمت بالطبع من Claude منحتني أفكاراً آمل أن أطوّرها في مجالاتٍ ذات صلة». ويختم بنظرةٍ أوسع لمستقبل العلاقة بين الآلة والباحث: «أعتقد أنّ الأمر سيكون مشابهاً في مجالاتٍ أخرى من الرياضيات: أن يكتشف الذكاء الاصطناعي أشياء، ويضع الناس على مسار النظر إلى المفاهيم من منظورٍ مختلف، وأن يستمرّ البشر، على أمل، في السعي نحو الفهم».
تبقى فرضية ريمان بلا حلٍّ حتى اليوم، كما كانت منذ أن طرحها ريمان قبل أكثر من قرنٍ ونصف. لكنّ ما تغيّر هذه المرّة هو طبيعة المسار: آلة تقترح، وإنسانٌ يتحقّق ويُعيد البناء ويمضي بالفكرة إلى حيث لم تصل الآلة. وهذا، كما يرى ماينارد، قد يكون النموذج الذي تسلكه الرياضيات وربما حقول علمية أخرى في التعامل مع أدواتٍ قادرة على الإنتاج، لكنها بعد لا تملك ما يملكه الباحث البشري من قدرةٍ على السؤال: لماذا كانت هذه القطعة مدفونةً هناك أصلاً؟
أخبار ذات صلة

إطلاق SpaceX شحنة إلى محطة الفضاء الدولية الأحد

الثقوب السوداء الضخمة تبتلع المادة وتطلق نفاثات راديوية بعد 300 يوم

رواد الفضاء على القمر قد يصبحون "مكثفات كهربائية حية" تهدد المركبات
