رحلة الحياة البرية في قلب أفريقيا الساحر
اكتشفوا سلسلة وثائقية تأخذكم في رحلة عبر تنوع الحياة البرية في أفريقيا من الغابات إلى الصحارى والجبال. مشاهد نادرة وتقنيات تصوير متطورة تحكي قصص الحيوانات والباحثين الذين يحافظون على هذا التراث الطبيعي في وورلد برس عربي.

على شاطئ جزيرة نائية قبالة سواحل أفريقيا، تستلقي سلحفاة خضراء منهكة بعد أن أفرغت ما في جوفها من بيض في الرمال. حاولت الزحف نحو الماء فلم تستطع؛ الرحلة التي بدأتها في عمق الليل استنزفت كل ما تبقى من قوتها. عند هذه اللحظة بالذات، يتدخل سكان محليون، يحملون السلحفاة بين أيديهم ويعيدونها إلى حافة البحر. هذا المشهد، الذي يمكن قراءته كحكاية إنقاذ عابرة، هو في الحقيقة واحد من مئات الكادرات التي بنى عليها فريق ناشيونال جيوغرافيك (National Geographic) سلسلته الوثائقية الجديدة "Africa: Earth's Wild Home"، التي تفتتح بها المؤسسة ما تنوي أن يكون مشروعاً أوسع لتوثيق البرية في القارات السبع.
السلسلة، المؤلفة من سبع حلقات، استغرق إنجازها أربع سنوات كاملة من التصوير الميداني الذي طاف بما يقارب 30 دولة أفريقية، ليخرج منها عمل يوزّع حلقاته على أنظمة بيئية متباينة إلى حدّ التناقض: الغابة الاستوائية، الصحراء، السهول المفتوحة، الجبال، والجزر المعزولة. وفي ختام كل حلقة، تنحني الكاميرا قليلاً عن الحيوان لتلتفت إلى الإنسان الذي يقف خلف الصورة علماء ومصوّرون ومستكشفون من فرق ناشيونال جيوغرافيك ممّن أمضوا سنوات في الانتظار والمراقبة قبل أن تمنحهم البرية لقطة واحدة تستحق البث. أما الحلقة الأخيرة فتُفرد مساحتها بالكامل لقادة الحفاظ على البيئة والباحثين المحليين الذين يعملون، بعيداً عن الأضواء، على حماية التنوع البيولوجي في القارة.
حكايات لم تُروَ من قبل على الشاشة
بين الحلقات السبع، تتوزّع مشاهد تحمل طابع الاكتشاف الأول. فهد أسود بري يتربّص بفريسته في الظلام. صغير آكل نمل حرشفي (بانغولين) تيتّم مبكراً، فوجد نفسه مضطراً لتعلّم التسلّق بمفرده، دون أم ترشده. وفي واحدة من أندر اللقطات، يظهر ضفدع المطر الأسود وهو كائن شديد الانعزال نادراً ما يُرى في أول تسجيل تلفزيوني له على الإطلاق، بينما يخرج ذكرٌ من مخبئه في بداية موسم تزاوجه الأول، مطلقاً نداءً وُصف بأنه أشبه بـ"صوت سوبرانو حاد".
وتوثّق السلسلة أيضاً لقطات حيّة نادرة لشمبانزي يستخدم أدوات: عيدان أو أغصاناً صغيرة ليصطاد بها الطحالب من قاع بركة ماء، في سلوك يكشف عن ذكاء أداتي يندر تصويره بهذا الوضوح. وفي مشهد آخر يحمل طابعاً سلوكياً مختلفاً تماماً، يُظهر الفيلم ضبعاً ذكراً منفرداً أمضى أياماً دون طعام قبل أن يقدم على محاولة غير معتادة لصيد طائر فلامنغو، إذ يدفع القطيع نحو الشاطئ حيث تصبح كثافة الطيور المتجمّعة أسهل استهدافاً وهي، بحسب السلسلة، مهارة جديدة تماماً على هذا النوع. لكن للضباع وجهاً آخر أكثر قسوة ظهر في لقطات بالأشعة تحت الحمراء: جماعة من الضباع تهاجم أماً من الأفيال وصغيرها ليلاً، وتكاد تقتل الصغير لولا تدخّل الأم.
وفي الجبال، تضطر أم فهد صياد إلى إعادة ابتكار أسلوبها في الصيد على تضاريس صخرية وعرة لإطعام أشبالها الثلاثة مشهد سيعود كثيراً في حديث راوية السلسلة لاحقاً.
عين لا ترى من فوق فقط
ما يميّز "Africa: Earth's Wild Home" ليس فقط ما صُوِّر، بل كيف صُوِّر. استُخدمت طائرات مسيّرة (درونز) لمنح المشاهد زاوية الرؤية الأولى للحيوانات نفسها، وذراع آلية مبرمجة مسبقاً طُوّرت أصلاً للاستخدام داخل الاستوديوهات استُعملت للمرة الأولى في الميدان لتتيح لقطات طويلة متواصلة. أما تحت الماء، فقد اعتمد الفريق على كاميرا متخصصة لتصوير أفراس النهر مزوّدة برؤوس قابلة للدوران والإمالة، التقطت من بين ما التقطت مشهداً وُصف بأنه أشبه بـ"جلسة سبا طبيعية": أسماك باربل تلتهم الجلد الميت عن أجساد أفراس النهر.
وفي أحد أكثر المواقع تحدّياً، نصب الفريق منصة تصوير ثابتة تُدار عن بعد داخل كهف مظلم تماماً ومغطى بفضلات الخفافيش، لتوثيق تماسيح قزمة وهي تصطاد الخفافيش في العتمة الكاملة. زُوّدت المنصة بتقنيات الرؤية الليلية والأشعة تحت الحمراء والتكبير عن بعد، بينما وُضعت مظلات صغيرة فوق أجهزة التصوير لحمايتها من الخفافيش نفسها تفصيل بسيط يختصر حجم الدقّة التي تطلّبها كل لقطة في هذا العمل.
صوتٌ من القارة، لا عن القارة
تتولى الممثلة Wunmi Mosaku مهمة سرد الحلقات، وهي ممثلة وُلدت في نيجيريا ونشأت في إنجلترا، وعُرفت بأدوارها في "Sinners" و"Loki" و"Lovecraft Country". اختيارها راوية لم يكن تفصيلاً عابراً بالنسبة لها، بل محطة شخصية كما وصفتها في حديثها لمنصة Ars: "شعرت بفخر كبير أنهم يعرفون اسمي أصلاً في Nat Geo. كان أمراً رائعاً أن يُطلب مني سرد هذه السلسلة، فهذا يعني لي الكثير. بصفتي شخصاً وُلد في نيجيريا ونشأ في إنجلترا، سأغتنم أي فرصة لإعادة التواصل والاحتفاء بهذه القارة الاستثنائية التي تنبض فيها الحياة بتنوّعٍ شديد، وقسوةٍ وجمال، وسكينةٍ لا تهدأ. أردت أن أكون جزءاً من ذلك لأنه جزء مني."
ورغم أن موساكو زارت نيجيريا وغانا، وعملت في كينيا وجنوب أفريقيا، فإن تصوير السلسلة كشف لها جوانب لم تكن تعرفها عن القارة التي تحمل جذورها فيها. تقول: "كان هناك الكثير مما لم أكن أعرفه... لقد زرت نيجيريا بالطبع، وغانا. عملت في كينيا وجنوب أفريقيا. لكن هناك الكثير لرؤيته، لا أظن أن بالإمكان استكشافه حتى في عمر كامل. أشياء كثيرة صدمتني. رؤية الثلج وقرود تعيش في الثلج في أفريقيا، لم أكن قد رأيت ذلك من قبل."
وجدت موساكو نفسها أيضاً أمام مفارقة عاطفية في علاقتها بما شاهدته من سلوك الضباع: "لم أتخيّل يوماً أنني سأشعر بالتعاطف تجاه ضبع"، تقول، قبل أن تضيف موضّحة التناقض الذي عاشته: "ترى هذا الضبع الأعزب وهو يحاول فقط أن يجد طعاماً. لكن بعدها تراهم يهاجمون صغير فيل، وتتذكّر: آه، هذا هو السبب الذي يجعلني لا أحبهم."
أما المشهد الذي بدا أكثر قرباً من قلبها، فكان أم الفهد وأشبالها الثلاثة على التضاريس الجبلية التي تُعطّل سرعتها "قوتها الخارقة" كما تصفها. تقول موساكو: " أنثى الفهد وأشبالها الثلاثة على تضاريس تُلغي فيها قوّته الخارقة السرعة، أرى في ذلك الفهد أمي مع أشبالها الثلاثة في تضاريس لم تستطع فيها قواها الخارقة أن تعمل. أرى ببساطة كم نحن متصلون، وكيف أننا في النهاية نريد الأشياء نفسها: أن ننجو، أن نزدهر، وأن يكون أحباؤنا بأمان." وتضيف في موضع آخر: "شعرت وكأنني أرى الكثير من الإنسانية داخل هذه الحكايات."
وعن طبيعة الأداء الصوتي الذي قدّمته، تشرح موساكو: "أردنا حقاً أن يبدو الأمر شخصياً وقريباً"، ثم تفصّل: "لم أكن أتصنّع صوتاً، كان الأمر فعلاً أنا، ويمي، وكيف أشعر في هذه اللحظة؟ لذلك شعرت بأنه أصيل جداً. كان الأمر يتعلق كثيراً بالشخصية والدافع والتعاطف، ومحاولة فهم ما تريده هذه الشخصية وما تحتاجه. الأمر مثير للاهتمام لأنك بصفتك الراوية، أنت الجمهور أيضاً. أنت ترى الأمر للمرة الأولى من الناحية التقنية، لكنك في الوقت نفسه ترشد الناس الذين يرونه للمرة الأولى دون أن تتعالى عليهم."
ما الذي تبقيه الكاميرا حين تُطفأ الأضواء؟
في نهاية حديثها، لا تنظر موساكو إلى السلسلة كمنتج ترفيهي محض، بل كدعوة. تقول: "آمل أن يشعر الجمهور بأننا في تواصل مع العالم الطبيعي، وأن ما نفعله مهم، وأن ما يحدث في الطبيعة يهمّنا نحن أيضاً." وتختم بملاحظة تلخّص فلسفة العمل بأكمله: "انزع كل الأضواء والكاميرات ووسائل التواصل الاجتماعي وكل ما يحيط بنا في هذا العالم الذي نعيش فيه الآن، وستصل إلى جوهر الإنسانية الصافي. الأمر نفسه ينطبق على ذلك الفهد، وذلك الضفدع، وذلك الشمبانزي. الأمر يتعلق بالبقاء والحماية. آمل أن يشعر الناس بذلك، وأن يفعلوا المزيد كي نواصل محاولة خلق مزيد من الانسجام، ومزيد من السهولة بين الأنواع المختلفة على هذا الكوكب."
السلسلة متاحة الآن للمشاهدة عبر منصتي Disney+ وHulu، في وقتٍ يُنتظر فيه أن يكون هذا العمل الأفريقي مجرد الحلقة الأولى من مشروع أوسع يطمح لرسم خريطة بصرية للحياة البرية في قارات العالم السبع، واحدة تلو الأخرى.
أخبار ذات صلة

Tenzing: رحلةٌ استثنائية تصعد بالمشاهد إلى إيفرست مع أوّل رجلَين فتحا قمّتها — أحدهما شيربا أغفلته الذاكرة

بلومهاوس وأتوميك مونستر توقعان اتفاقية إنتاج أفلام قصيرة مع صانعة الرعب هيدي وونج

الذكاء الاصطناعي والحداد: 'Talk to Me When You Are Dead' يستكشف حدود الحياة الرقمية بعد الموت
